الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل إذا ورد عام وخاص قدم الخاص مطلقا

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

( فصل )

( إذا ورد ) عن الشارع لفظ ( عام و ) لفظ ( خاص ، قدم الخاص مطلقا ) أي سواء كانا مقترنين ، مثل : ما لو قال في كلام متواصل : اقتلوا الكفار ولا تقتلوا اليهود ، أو يقول : زكوا البقر ، ولا تزكوا العوامل ، أو كانا غير مقترنين ، سواء كان الخاص متقدما أو متأخرا ، وهذا هو الصحيح . لأن في تقديم الخاص عملا بكليهما ، بخلاف العكس . فكان أولى . وحكي عن بعضهم في صورة الاقتران تعارض الخاص لما قابله من العام ، ولا يخصص به . وعن الإمام أحمد رضي الله عنه رواية في غير المقترنين موافقة لقول أكثر الحنفية والمعتزلة وغيرهم : أنه إن تأخر العام نسخ ، وإن تأخر الخاص نسخ من العام بقدره . فعلى هذا القول : إن جهل التاريخ وقف الأمر حتى يعلم وجه القول الأول الذي هو الصحيح . سبحانه و تعالى { والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب } خص قوله تعالى ( { ولا تنكحوا المشركات } ) قال ابن الجوزي : على هذا عامة الفقهاء ، وروي معناه عن جماعة من الصحابة . منهم : عثمان وطلحة وحذيفة وجابر وابن عباس . وأيضا : الخاص قاطع أو أشد تصريحا ، وأقل احتمالا ، ولأنه لا فرق لغة بين تقديم الخاص وتأخيره ( وإن كان كل منهما ) أي من اللفظين الواردين ( عاما من وجه . خاصا من وجه ) آخر ، مثاله قوله [ ص: 419 ] صلى الله عليه وسلم { من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها } مع قوله صلى الله عليه وسلم : { لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس } فالأول : خاص في الصلاة المكتوبة الفائتة ، عام في الوقت ، والثاني : عام في المكتوبة والنافلة ، خاص في الوقت ، ومثله قوله صلى الله عليه وسلم { من بدل دينه فاقتلوه } مع قوله صلى الله عليه وسلم { نهيت عن قتل النساء } فالأول عام في الرجال والنساء ، خاص في المرتدين . والثاني : خاص في النساء ، عام في الحربيات والمرتدات ، إذا علم ذلك : فالصحيح أنهما إذا وردا ( تعارضا ) لعدم أولوية أحدهما بالعمل به دون الآخر ( وطلب المرجح ) من خارج ، وقد ترجح قوله { من بدل دينه فاقتلوه } على اختصاص الثاني ، وهو قوله { نهيت عن قتل النساء } بسببه الناشئ عن قتل الحربيات . وقيل : المتأخر منهما ناسخ . وحكي عن الحنفية ( وإذا وافق خاص عاما ) بأن . يرد لفظ عام ، ويأتي لفظ خاص ، هو بعض لذلك العام وداخل فيه ، نحو { قوله صلى الله عليه وسلم في شاة ميمونة دباغها طهورها } فهذا خاص وهو بعض أفراد العام ( لم يخصصه ) أي لم يخصص الخاص العام لموافقته له . وقيل : بلى ، استدل للأول بأنه لا تعارض بينهما فيعمل بهما .

ومن أمثلة ذلك أيضا : قوله تعالى { إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى } فذكره بعده ليس تخصيصا للأول بإيتاء ذي القربى ، بل اهتماما بهذا النوع ، فإن عادة العرب إذا اهتمت ببعض أنواع العام خصصته بالذكر ، إبعادا له عن المجاز والتخصيص بذلك النوع ، وكذا قوله تعالى { وملائكته ورسله وجبريل وميكال } وليس من هذا الباب قوله تعالى { فيها فاكهة ونخل ورمان } لأن فاكهة مطلق ( ولا تخص عادة عموما ، ولا تقيد ) العادة ( مطلقا ) نحو حرمت عليكم الربا في الطعام وعادتهم البر عند أصحابنا والشافعية ، خلافا للحنفية والمالكية . ولهذا لا نقض بنادر عند المالكية . قصرا للغائط على المعتاد . وذكره القاضي في مواضع : وجه الأول العموم لغة وعرفا ، والأصل عدم مخصص ، وفي شرح العنوان لابن دقيق العيد [ ص: 420 ] أن الصواب التفصيل بين العادة الراجعة إلى الفعل ، والراجعة إلى القول ، فيخصص بالثانية العموم لسبق الذهن عند الإطلاق إليه دون الأولى ، أي إذا تقدمت أو تأخرت ، ولكن لم يقررها رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ولا يخص عام بمقصوده ) عند أصحابنا والأكثر ، خلافا لعبد الوهاب وغيره من المالكية .

وقال صاحب المحرر : المتبادر إلى الفهم من لمس النساء ما يقصد منهن غالبا من الشهوة ، ثم لو عمت خصت به . وخصه حفيده أيضا بالمقصود ( ولا ) يخص عام ( برجوع ضمير إلى بعضه ) أي بعض العام عند أكثر أصحابنا ، والشافعية ، وعنه : بل كأكثر الحنفية . وقيل : بالوقف ، مثال ذلك : قوله تعالى { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } ثم قال { وبعولتهن أحق بردهن } فإن المطلقات يعم البوائن والرجعيات والضمير في قوله تعالى { وبعولتهن } عائد إلى الرجعيات ; لأن البائن لا يملك الزوج ردها . ولو ورد بعد العام حكم لا يأتي إلا في بعض أفراده كان حكمه حكم الضمير . صرح به الرازي وغيره . ومثله الرازي بقوله تعالى { يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن } ثم قال { لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك } يعني الرغبة في مراجعتهن ، والمراجعة لا تأتي في البائن وجه الأول : أن المظهر عام ، والأصل بقاؤه . فلا يلزم من تخصيص المضمر تخصيصه ، قالوا : يلزم وإلا لم يطابقه رد ، لا يلزم كرجوعه مظهرا . والله أعلم

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث