الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفصل الثالث في ترتيب القضاء مع الأداء

جزء التالي صفحة
السابق

الفصل الثالث : في ترتيب القضاء مع الأداء .

قال ابن الجلاب في الترتيب كله : إنه واجب مع الذكر ساقط مع النسيان في المتروكات في الوقت وبعده ، وفي المفعولات يستحب في الوقت ، وصلاة الجنازة لا يجب الترتيب معها ; فهي مستثناة نقله في الجواهر عن ابن القاسم وجماعة .

نظائر

الترتيب والتسمية في الذبيحة وموالاة الطهارة ، وإزالة النجاسة ، والوجوب فيها عند مالك - رحمه الله - مع الذكر دون [ ص: 386 ] النسيان على خلاف قاعدة الواجبات ; لضعف مدرك الوجوب فيها ، فسقط مع النسيان ، وفي الجواهر : هو واجب في اليسير ، فيقدم على الحاضرة ولو فات وقت أدائها ، وقال ابن وهب و ( ش ) و ( ح ) يبدأ بالوقتية ، وروى أشهب التخيير بينهما .

لنا الحديث المتقدم قدم فيه - عليه السلام - العصر على المغرب ، وعين الوقت للمنسية في الحديث الآخر بقوله : " فليصلها إذا ذكرها " . ويروى : فإن ذلك وقتها ، وهو لا يتسع لغيرها ، فوجب تأخيرها وهو المطلوب ، واتفقت الأمة على أن من نسي الظهر يوم عرفة وأحرم بالعصر ثم ذكر الظهر ; فإنها تفسد عليه فيجب تقديم ما تقدم وجوبه ، إلا ما استثني ، حجة ( ش ) القياس على ترتيب الخمس مع الجنازة ، والقليل على الكثير ، والمذكور على المنسي ; فإنه لو نسي فبدأ بالحاضرة ولم يذكر حتى خرج وقت الحاضرة ; صحت . وفي الباب فروع خمسة :

الأول في الكتاب : من ذكر منسية في مكتوبة قطع ، وإن صلى ركعة شفعها ، أو ركعتين سلم ، أو ثلاثا أتمها ، قال ابن القاسم : ويقطع بعد ثلاث أحب إلي ، وإن كان مأموما فلا يقطع ، وإن كانت المغرب تمادى مع الإمام وأعادها ، وإذا سلم صلى ما نسي وأعاد ما صلى مع الإمام ، وإن صلى قبلها صلاة وأدرك وقتها ووقت التي صلى مع الإمام ; فليعدهما جميعا بعد الفائتة ، ووقت المغرب والعشاء في هذا الليل كله . قال سند : مذهب ابن القاسم وسحنون : أن الترتيب غير واجب [ ص: 387 ] ولا شرط ، وظاهر الكتاب يقضي الوجوب والشرطية لقضائه بفساد الحاضرة ، وقوله : يتمادى المأموم ويكمل الذاكر بعد ثلاث يشهد لابن القاسم ، وإذا قلنا لا يقضي فثلاثة أقوال في الكتاب : يقطع ، وفي العتبية يجعلها نافلة ، وفرق ابن حبيب بين ما خرج وقته فلا يقطع ، وقال : إن ذكر ظهر يومه في العصر ، أو مغرب ليلته في العشاء يقطع ، وأما ما خرج وقته في آخر وقت الحاضرة ; فاستدراكه لبقية الواجب أولى من نافلة لا تجزيه . حجة ما في الكتاب : القياس على من أقيمت عليه صلاة في المسجد بعد إحرامه بها منفردا ، وجه إتمامها نافلة القياس على من أقيمت عليه فريضة في نافلة ، وأما قوله : يضيف إليها أخرى ; فنقول : إن كان الوقت الاختياري قائما يسع المنسية والنافلة فكما قال ، وإن لم يسع كذاكر الظهر في آخر وقت الاشتراك ; فإن أتم نافلة خرج الوقت فلا يحل له أن يشتغل بما لا يجب عليه أصله ، قال : وهو مقتضى قول أصحابنا : إن من أخر عن الاختياري أثم ، وعلى القول بعدم التأثيم يحتمل التمادي ، وإن خرج الاختياري والضروري فأتم يتمها على المذهب نافلة ما لم يمنع ذلك من أداء المذكور فيها ، وعند ابن حبيب يقطع على شفع أو وتر ، فإن كان يمنع قطع إلا أن يمتنع أداء المذكور فيها بكل وجه ، وأما قول ابن القاسم في الذاكر بعد ثلاث يقطع أحب إلي ، فلا يظهر للذكر أثر ، قال : ويتخرج على قوله وعلى قول مالك إن ذكر بعد ركعة من الصبح فعنده يقطع ، وعند مالك يتمادى ، وأما قوله : لا يقطع خلف الإمام ، فقاله ( ش ) و ( ح ) إما لأن الإمام يحمل الترتيب كالقراءة ، أو [ ص: 388 ] لأن المتابعة متفق على وجوبها بخلافه ، ويعيد الحاضرة بعد المنسية بعد مفارقة الإمام ما دام وقتها عند ابن القاسم وسحنون ، وأبدا عند ابن حبيب ، فإن الذكر عنده يؤثر في إبطال الفرضية ، فتبقى نافلة ، وأما قوله : يتمادى المأموم في صلاة المغرب ، فقد حكى اللخمي رواية : بأنه يضيف إليها أخرى ويجعلها رابعة ، والأولى مبنية على أن الذكر لا يفسدها ، والثانية مبنية على أنه يفسدها ، وقوله يعيدها ، قال سند : استحبابا ، والفرق بين هذا وبين من دخل مع الإمام فذكر أنه صلى وحده المغرب أن هذا اختلف في صحة صلاته ، وذاك اتفق على صحة صلاته ; فتعين إعادة المغرب مرتين .

الثاني في الكتاب : إذا ذكر منسية بعد إيقاعه للظهر والعصر قبل الغروب بمقدار يسع الثلاث ، صلى المنسية ثم أعادها على الترتيب ، وإن اتسع للمنسية مع إحداهما ، صلى المنسية وأعاد العصر ، وكذلك المغرب والعشاء مع الصبح ، وقال في النوادر : الوقت إلى اصفرار الشمس فقط .

ملاحظة : إن ترتيب المفعولات مستحب وهذا وقت نهي ، وقياسا على من نسي النجاسة أو أخطأ القبلة ، والفرق على الوجه الأول : أن الشرع سامح فيهما في مواضع مع الذكر ، ولم يسامح في الترتيب مع الذكر ، وحكى في الجواهر في الوقت : هل هو الضروري أو الاختياري قولين مطلقا . قال سند : فلو صلى المنسية ونسي إعادة ما صلى قبلها حتى خرج الوقت ، قال ابن القاسم : لا يعيدها خلافا لمطرف لوقوع الصلاة صحيحة ، وراعى مطرف أن الترتيب واجب فيستدرك مع الذكر ابتداء ، ولو ذكرها بعد إيقاع الجمعة ، قال مالك وابن القاسم : يعيد ظهرا .

[ ص: 389 ] وقال أشهب : لا يعيد ; لأن الفراغ من الجمعة كخروج الوقت ، وإن ذكر في الجمعة ، ففي الجواهر قال أشهب : إن علم أنه يدرك ركعة بعد المنسية فأحب إلي أن يقطع ويقضي ، ثم يعود إلى الجمعة ، وإلا تمادى ولا إعادة عليه في الجمعة إلا احتياطا ، وقال الشيخ : أبو الحسن : مذهب مالك اتباع الإمام وإعادة الجمعة ظهرا ، فلو صلى صلوات ذاكرا للمنسية ، قال ابن القاسم في الكتاب : يصلي المنسية وما بقي وقته من المفعولات ، وهو يؤكد قول ابن القاسم : أن الترتيب ليس بشرط ، قال سند : وعلى القول بشرطيته يعيد المفعولات بعد الوقت ، وقاله ابن حبيب ، ولو ذكرها آخر النهار فصلاها وقد بقي ما يسع صلاته فصلى العصر فبقي بقية ، قال مالك : يعيد الظهر والعصر ، وقال سحنون : الظهر فقط ، ولو ذكرها بعد ما ركع الفجر قبل الصبح فصلاها ، قال سحنون : يعيد الفجر ; لأنه متعلق بوقت مخصوص فيجب الترتيب كالمفروضة ، ولو صلى المذكورة بعد الحاضرة ، وبقي ما يسع الحاضرة وشك في فائتة ; صلى الفائتة ولا يعيد الحاضرة لخروج الوقت . الثالث في الكتاب : إن ذكرها في نافلة وكان صلى منها ركعة أضاف إليها أخرى ، وإلا قطع ، وكان يقول : يقطع بقدر ركعة ; أما عدم القطع بعد ركعة ، فقياسا على الفريضة والوقت مستحق للنافلة ; لقوله - عليه السلام - : " من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة ، . وأما القطع بعد ركعة فلأنه لولا ذلك لم يظهر للذكر أثر ، بخلاف الفريضة فإنه انصرف عما عزم عليه ، والفرق عند مالك في كونه يقطع ثلاثا في الفرض ، ولا يقطع بعد ركعة في النافلة : أن الثلاث الأكثر من العبادة بخلاف ركعة من النافلة ، وإنما وزانها ركعتان في [ ص: 390 ] الفرض ، وهو يقطع فيهما ، وإذا قطع النافلة فلا يعيدها كمن أقيمت عليه الفريضة في نافلة ; لعدم تعمده الإبطال .

الرابع في الكتاب : إذا ذكر الإمام منسية يقطع ويعلمهم يقطعون ، فإن لم يذكرها حتى فرغ لا يعيدون ، ويعيد هو بعد قضاء المنسية ، وكان يقول يعيدون في الوقت ، فجعله يقطع بخلاف الفذ فإنه يجعل صلاته نافلة على التفصيل المتقدم ، ولو أتم الإمام نافلة ; لأفسد عليهم بتماديه ، قال سند : وعلى قوله يقطعون أجمعون فإنه إن ركع أتى بثانية وسلم بهم ، وروى ابن القاسم : أنه يستخلف كالحدث ، وجه الأول : أن الإمام قطع لخلل في صفة صلاته ، فإن الترتيب صفة كالإحرام والقراءة والنية ، يقطع المأموم مع الإمام فيه كما يقطع فيهما ، والحدث شرط مفارق . ولهذه الإشارة قال أصحابنا : كلما بطلت صلاة الإمام بطلت صلاة المأموم إلا في نسيان الحدث وسبقه . الخامس في الكتاب : إن ذكر ثلاثا وما قرب منهن ، قدمهن على الحاضرة وإن فاتت ، وإن كثرت بدأ بالحاضرة ثم المنسيات ، ثم الحاضرة إن بقي من وقتها شيء ، وإلا فلا ، قال سند : ظاهر الكتاب يقتضي أن الأربع غاية الكثرة ، وأن الخمس تقدم الحاضرة عليهن وقاله سحنون ; وروي عن مالك : تقدم الخمس على الحاضرة ، وحكى صاحب التنبيهات القولين في ظاهر الكتاب ; وقال ابن الحاجب : إذا كان عليه منسيات كثيرة فقضاهن وبقي عليه خمس ، كن كالخمس المنفردات يجب ترتيبها في نفسها . ومع الحاضرة ، وعبر عن ذلك بقوله : يجب الترتيب في الخمس أصلا أو بناء . قال سند : وقال ابن مسلمة : تقدم المنسيات [ ص: 391 ] وإن كثرن إذا أتى بجميعها في فورة وإن خرج وقت الحاضرة ، وجعل إجماعهما في فور واحد كصلاة واحدة كما قلنا في النوافل الكثيرة بعد الفريضة بالتيمم . حجة التقديم على الحاضرة من حيث الجملة : أن الترتيب واجب لما تقدم والواجب يترك للواجب ، وإن قلنا : بأنه سنة كما قاله ابن القاسم ، فنقول هذا الوقت بين الحاضرة والمنسية ; لقوله - عليه السلام - : " فإن ذلك وقتها " والمنسية أولى لتقدم وجوبها ، أما الاقتصار على الأربع ، فلما روى ابن مسعود قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فحبسنا عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء فاشتد ذلك علي ; فقلت : نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي سبيل الله ، فأمر النبي - عليه السلام - بلالا فأقام ، فصلى الظهر ، ثم أقام فصلى العصر ، ثم أقام فصلى المغرب ، ثم أقام فصلى العشاء ، ثم طاف علينا فقال : ما على الأرض قوم يذكرون الله غيركم . احتج به الباجي وليس فيه حجة ; لأنه ليس فيه أنهن قدمن على الصبح . حجة الخمس : قوله - عليه السلام - من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها - وهو عام في القليل والكثير ، وخالفناه في الكثير الذي يتكرر وهو السادسة فما فوقها لحصول المشقة ، فبقي ما عداه على مقتضى الدليل .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث