الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

وبعد موسى جاء أنبياء ينفذون أحكام التوراة التي كانت صادقة؛ كداود وسليمان وأيوب وغيرهم؛ ثم جاء من بعدهم عيسى - عليه السلام -؛ ولذا قال (تعالى): وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين ؛ أي: صيرنا ابن مريم وأمه آية؛ أي: معجزة خارقة للعادة؛ وعرف عيسى بأنه ابن مريم؛ لبيان أنه ليس له أب؛ وأن مريم ولدته من غير أب؛ وكان بذلك هو وأمه آية خارقة لمجرى العادات؛ ذلك أن مجرى العادات في الأسباب والمسببات أن الولد يكون من نطفة توضع في رحم المرأة؛ فيجيء الولد بإذن الله (تعالى)؛ كما تبين في قوله (تعالى): ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين

إلى آخر الآيات الكريمات؛ فكانت المعجزة في أن عيسى جاء من غير أب; وذلك لإثبات قدرة الله (تعالى) وإرادته؛ وأنه مختار؛ فعال لما يريد؛ ذلك أن الفلسفة الأيونية التي ظهرت في آسيا الصغرى؛ وتولدت منها الفلسفة اليونانية؛ كانت تؤمن إيمانا عميقا - ولو كان باطلا - بأن الدنيا وجدت بالسببية؛ أي: بوجود المعلول عن علة؛ حتى قالوا: إن الكون كله وجد عن السبب الأول بالعلة؛ وبولادة عيسى من غير أب تبين أن الله فاعل مختار؛ رزاق؛ وهو ذو القوة المتين؛ وكان عيسى - عليه السلام - وأمه آية خارقة للعادة؛ فأمه - عليها السلام - حملت من غير نطفة؛ وهو ولد من غير أب؛ فكانت المعجزة في كليهما؛ ومكونة منهما. [ ص: 5081 ] ويقول (تعالى): وآويناهما ؛ أي: جعلنا مأواهما ربوة؛ أي: مكانا مرتفعا؛ قد أوت إليه مريم عندما فاجأها المخاض إلى جذع النخلة؛ حتى لا يراها الناس؛ وقد قال (تعالى) - في ذلك -: فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا فكلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا

و " الربوة " ؛ مع أنها مرتفع من الأرض؛ ذات قرار ومعين؛ أي: يمكن القرار فوقها؛ لأنها مستوية؛ فيها مهاد كالفراش؛ " ومعين " ؛ أي: ماء طاهر ثر؛ وقال الزجاج: هو الماء الجاري؛ وقال بعض الباحثين في اللغة: يقال: " معن الماء " ؛ إذا جرى؛ وهكذا اقترنت ولادة عيسى بمعجزات؛ فكانت الربوة في المرتفع عن الأرض ذات قرار ممهد؛ وفيها الماء الجاري؛ وتكلم في المهد صبيا؛ وكان هو في ذاته معجزة.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث