الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


سورة يوسف

بسم الله الرحمن الرحيم

قال تعالى : ( الر تلك آيات الكتاب المبين ( 1 ) ) .

قوله تعالى : ( تلك آيات الكتاب ) : قد ذكر في أول يونس .

قال تعالى : ( إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ( 2 ) ) .

قوله تعالى : ( قرآنا ) : فيه وجهان :

أحدهما : أنه توطئة للحال التي هي " عربيا " والثاني : أنه حال ، وهو مصدر في موضع المفعول ; أي مجموعا أو مجتمعا ، و " عربيا " صفة له على رأي من يصف الصفة ، أو حال من الضمير الذي في المصدر على رأي من قال : يحتمل الضمير إذا وقع موقع ما يحتمل الضمير .

قال تعالى : ( نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين ( 3 ) ) .

قوله تعالى : ( أحسن ) : ينتصب انتصاب المصدر .

( بما أوحينا ) : " ما " مصدرية ، و " هذا " مفعول ( أوحينا ) ، و ( القرآن ) : نعت له أو بيان .

ويجوز في العربية جره على البدل من " ما " ورفعه على إضمار هو . والباء متعلقة بنقص .

ويجوز أن يكون حالا من أحسن .

والهاء في " قبله " ترجع على القرآن ; أو على هذا ، أو على الإيحاء .

قال تعالى : ( إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين ( 4 ) ) .

قوله تعالى : ( إذ قال ) : أي اذكر إذ . وفي ( يوسف ) ست لغات : ضم السين ، وفتحها ، وكسرها بغير همز فيهن ، وبالهمز فيهن ، ومثله يونس .

[ ص: 47 ] ( ياأبت ) : يقرأ بكسر التاء ، والتاء فيه زائدة عوضا من ياء المتكلم ، وهذا في النداء خاصة ، وكسرت التاء لتدل على الياء المحذوفة ; ولا يجمع بينهما ، لئلا يجمع بين العوض والمعوض .

ويقرأ بفتحها ، وفيه ثلاثة أوجه ; أحدها : أنه حذف التاء التي هي عوض من الياء ، كما تحذف تاء طلحة في الترخيم ، وزيدت بدلها تاء أخرى وحركت بحركة ما قبلها ، كما قالوا : يا طلحة أقبل ، بالفتح . والثاني : أنه أبدل من الكسرة فتحة كما يبدل من الياء ألف . والثالث : أنه أراد يا " أبتا " كما جاء في الشعر :

يا أبتا علك أو عساكا فحذفت الألف تخفيفا .

وقد أجاز بعضهم ضم التاء لشبهها بتاء التأنيث .

فأما الوقف على هذا الاسم فبالتاء عند قوم ; لأنها ليست للتأنيث ، فيبقى لفظها دليلا على المحذوف . وبالهاء عند آخرين شبهوها بهاء التأنيث . وقيل : الهاء بدل من الألف المبدلة من الياء . وقيل : هي زائدة لبيان الحركة .

و ( أحد عشر ) : بفتح العين على الأصل ، وبإسكانها على التخفيف فرارا من توالي الحركات ، وإيذانا بشدة الامتزاج .

وكرر " رأيت " تفخيما لطول الكلام ; وجعل الضمير على لفظ المذكر ; لأنه وصفه بصفات من يعقل ، من السجود والطاعة ; ولذلك جمع الصفة جمع السلامة .

و ( ساجدين ) حال ; لأن الرؤية من رؤية العين .

قال تعالى : ( قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين ( 5 ) ) .

قوله تعالى : ( رؤياك ) : الأصل الهمز ، وعليه الجمهور . وقرئ بواو مكان الهمز ، لانضمام ما قبلها . ومن العرب من يدغم ، فيقول رياك ، فأجرى المخففة مجرى الأصلية . [ ص: 48 ] ومنهم من يكسر الراء لتناسب الياء . ( فيكيدوا ) : جواب النهي . ( كيدا ) فيه وجهان : أحدهما : هو مفعول به ، والمعنى : فيضعون لك أمرا يكيدك ، وهو مصدر في موضع الاسم ; ومنه قوله تعالى : ( فأجمعوا كيدكم ) : [ طه : 64 ] أي ما تكيدون به ; فعلى هذا يكون في اللام وجهان ; أحدهما : هي بمعنى من أجلك . والثاني : هي صفة قدمت فصارت حالا . والوجه الآخر : أن يكون مصدرا مؤكدا ; وعلى هذا في اللام ثلاثة أوجه :

منها الاثنان الماضيان . والثالث : أن تكون زائدة ; لأن هذا الفعل يتعدى بنفسه ، ومنه : ( ردف لكم ) [ النمل : 72 ] .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث