الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


83 - الحديث الأول : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كبر في الصلاة سكت هنيهة قبل أن يقرأ ، فقلت : يا رسول الله ، بأبي أنت وأمي ، أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة : ما تقول ؟ قال : أقول : اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب . اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس . اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد } .

[ ص: 232 ]

التالي السابق


[ ص: 232 ] تقدم القول في أن " كان " تشعر بكثرة الفعل أو المداومة عليه . وقد تستعمل في مجرد وقوعه .

وهذا الحديث يدل لمن قال باستحباب الذكر بين التكبير والقراءة . فإنه دل على استحباب هذا الذكر . والدال على المقيد دال على المطلق ، فينافي ذلك كراهية المالكية الذكر فيما بين التكبير والقراءة . ولا يقتضي استحباب ذكر آخر معين .

وفيه دليل لمن قال باستحباب هذه السكتة بين التكبير والقراءة . والمراد بالسكتة هاهنا السكوت عن الجهر ، لا عن مطلق القول ، أو عن قراءة القرآن ، لا عن الذكر .

وقوله " ما تقول ؟ " يشعر بأنه فهم أن هناك قولا فإن السؤال وقع بقوله " ما تقول ؟ " ولم يقع بقوله " هل تقول ؟ " والسؤال " بهل " مقدم على السؤال " بما " هاهنا . ولعله استدل على أصل القول بحركة الفم . كما ورد في استدلالهم على القراءة في السر باضطراب لحيته .

وقوله " اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب " . عبارة : إما عن محوها وترك المؤاخذة بها ، وإما عن المنع من وقوعها والعصمة منها وفيه مجازان :

أحدهما : استعمال المباعدة في ترك المؤاخذة ، أو في العصمة منها . والمباعدة في الزمان أو في المكان في الأصل .

والثاني : استعمال المباعدة في الإزالة الكلية . فإن أصلها لا يقتضي الزوال . وليس المراد ههنا البقاء مع البعد ، ولا ما يطابقه من المجاز . وإنما المراد الإزالة بالكلية . وكذلك التشبيه بالمباعدة بين المشرق والمغرب ، المقصود منها : ترك المؤاخذة أو العصمة .

وقوله " اللهم نقني من خطاياي - إلى قوله - من الدنس " مجاز - كما تقدم - عن زوال الذنوب وأثرها . ولما كان ذلك أظهر في الثوب الأبيض من غيره من الألوان وقع التشبيه به . [ ص: 233 ] وقوله " اللهم اغسلني " إلى آخره يحتمل أمرين - بعد كونه مجازا عما ذكرناه - أحدهما : أن يراد بذلك التعبير عن غاية المحو ، أعني بالمجموع فإن الثوب الذي تتكرر عليه التنقية بثلاثة أشياء منقية ، يكون في غاية النقاء .

الوجه الثاني : أن يكون كل واحد من هذه الأشياء مجازا عن صفة يقع بها التكفير والمحو . ولعل ذلك كقوله تعالى { واعف عنا واغفر لنا وارحمنا } فكل واحدة من هذه الصفات أعني : العفو والمغفرة ، والرحمة - لها أثر في محو الذنب . فعلى هذا الوجه : ينظر إلى الأفراد . ويجعل كل فرد من أفراد الحقيقة دالا على معنى فرد مجازي . وفي الوجه الأول : لا ينظر إلى أفراد الألفاظ ، بل تجعل جملة اللفظ دالة على غاية المحو للذنب .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث