الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


1363 [ ص: 115 ] ( 29 ) باب ما جاء في ثمن الكلب .

1325 - مالك ، عن ابن شهاب ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، عن أبي مسعود الأنصاري ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب . ومهر البغي ، وحلوان الكاهن .

يعني بمهر البغي ما تعطاه المرأة على الزنا ، وحلوان الكاهن رشوته ، وما يعطى على أن يتكهن .

[ ص: 116 ] 29475 - قال مالك : أكره ثمن الكلب الضاري وغير الضاري ، لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب .

التالي السابق


29476 - قال أبو عمر : لا خلاف بين علماء المسلمين في أن مهر البغي حرام ، وهو على ما فسره مالك ، لا خلاف في ذلك .

29477 - والبغي : الزانية ، والبغاء : الزنا .

29478 - قال الله عز وجل : وما كانت أمك بغيا [ مريم : 28 ] يعني زانية .

29479 - وقال تبارك اسمه : ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء [ النور : 33 ] أي على الزنا .

29480 - وكذلك لا خلاف في حلوان الكاهن أنه ما يعطاه على كهانته ، وذلك كله من أكل المال بالباطل .

[ ص: 117 ] 29481 - والحلوان في أصل اللغة : العطية .

29482 - قال الشاعر :


فمن رجل أحلوه رحلي وناقتي يبلغ عني الشعر إذا مات قائله

.

29483 - وأما بيع الكلاب ، وأثمانها ، وقيمتها على من قتلها ، فقد اختلف العلماء في ذلك ، والصحيح فيه من مذهب مالك ما ذكره في " موطئه " والحجة له من جهة الآثار صحيحة .

29484 - منها ما ذكره ابن وهب ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، عن سالم بن عبد الله بن عمر ، عن أبيه ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بقتل الكلاب إلا كلب صيد ، أو ماشية .

[ ص: 118 ] 29485 - قال أبو عمر : فإذا كان غير الضاري من الكلاب مأمور بقتله ، فإنما وقع النهي عن ثمن الكلب المباح اتخاذه لا المأمور بقتله ، لأن المأمور بقتله معدوم ، ولأنه محال ألا يطاع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أمر به من قتله .

29486 - وقد اختلف أصحاب مالك واختلفت الرواية عنده في ثمن الكلب الذي أبيح اتخاذه فأجاز مرة ثمن الكلب الضاري ، ومنع منه أخرى .

29487 - ووجه إجازة بيع ما أبيح اتخاذه من الكلاب ، لأن الحديث الذي ورد بالنهي عن ثمن الكلب ، فمن نذر معه حلوان الكاهن ، ومهر البغي ، وهذا لا يباح شيء منه على أنه الكلب الذي لا يجوز اتخاذه ، والله أعلم ، لأن من الكلاب ما أبيح اتخاذه والانتفاع به ، فذلك جائز بيعه .

[ ص: 119 ] 29488 - ولا خلاف عنه من قتل كلب صيد ، أو ماشية أو زرع ، فعليه القيمة .

29489 - ومن قتل كلب الدار ، فلا شيء عليه إلا أن يكون يسرح مع الماشية .

29490 - وقد ذكرنا اختلاف أصحاب مالك في هذا الباب في كتاب اختلافهم ، واختلاف قول مالك .

29491 - وأما الشافعي فلا يجوز عنده بيع الكلب الضاري ، ولا غير الضاري ، ولا يحل عنده ثمن كلب الصيد ولا كلب الماشية ، ولا كلب الزرع ، لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب ، وليس على من قتل كلب الصيد ، أو لغير صيد قيمة عندهم بحال من الأحوال .

29492 - قال أبو عمر : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن ثمن الكلب من حديث علي بن أبي طالب ، وابن عباس ، وأبي مسعود الأنصاري .

[ ص: 120 ] وأبي هريرة ، وأبي جحيفة ، ورافع بن خديج ، [ ص: 121 ] وغيرهم - رضي الله عنهم .

29493 - حدثني عبد الوارث بن سفيان قال : حدثني قاسم بن أصبغ ، قال : حدثني أحمد بن زهير ، قال : حدثني عبد الله بن جعفر ، قال حدثني عبيد الله بن عمرو ، عن عبد الكريم - يعني الجزري - عن قيس بن حبتر ، عن ابن عباس ، قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الخمر ، ومهر البغي ، وثمن الكلب ، وقال : " إذا أتاك صاحب الكلب ، وطلب ثمنه ، فاملأ كفيه ترابا .

29494 - وقال أبو حنيفة ، وأصحابه : يجوز بيع الكلاب التي للصيد والماشية وبيع الهر ، وعلى من قتل أو أتلف من ذلك شيئا قيمته .

29495 - واحتج الطحاوي للكوفيين بحديث عبد الله بن مغفل - قال : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب ، ثم قال : ما لي وللكلب ، ثم رخص في كلب [ ص: 122 ] الصيد وكلب ماشية .

29496 - قال : فأخبر أن كلب الصيد كان مقتولا ، فكان بيعه ، والانتفاع به حراما ، وكان قاتله مؤديا لفرض عليه في قتله ، ثم نسخ ذلك ، وأباح الاصطياد به ، فصار كسائر الجوارح في جواز بيعه .

29497 - قال : ومثل ذلك نهيه صلى الله عليه وسلم عن كسب الحجام ، قال : كسب الحجام خبيث ، وثمن الكلب خبيث " ثم أعطى الحجام أجره ، فكان ذلك ناسخا لمنعه ، وتحريمه ، ونهيه .

29498 - قال أبو عمر : لم يختلف في ألفاظ حديث ابن عبد الله بن مغفل هذا .

حدثني سعيد بن نصر ، قال : حدثني قاسم بن أصبغ ، قال : حدثني ابن وضاح ، قال : حدثني أبو بكر بن أبي شيبة ، قال : حدثني شبابة ، قال : حدثني شعبة ، عن أبي التياح ، قال : سمعت مطرفا يحدث عن ابن مغفل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب ، ثم قال " ما لهم والكلاب " ثم رخص لهم في كلب الصيد .

[ ص: 123 ] 29499 - وقال : " إذا ولغ الكلب في الإناء ، فاغسلوه سبع مرات ، وعفروا الثامنة بالتراب " . 29500 - وروى الحسن ، عن عبد الله بن مغفل ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لولا أن الكلاب أمة من الأمم أكره أن أفنيها لأمرت بقتلها ، ألا فاقتلوا منها كل أسود بهيم " ، قال : " وأيما أهل دار حبسوا كلبا ، ليس كلب صيد ، أو زرع ، أو ماشية ، نقص من أجرهم كل يوم قيراط " .

[ ص: 124 ] 29501 - وقال أحمد بن حنبل : بيع الكلاب باطل ، وإن كان معلما ، ومن قتله ، وهو معلم ، فقد أساء ، ولا غرم عليه .

29502 - قال : وبيع الفهد ، والصقر جائز ، وكذلك من بيع الهر ، وكل ما فيه منفعة ، والله أعلم .

29503 - قال أبو عمر : وهو قول مالك ، والشافعي ، والكوفيين في بيع كل ما ينتفع به أنه جائز ملكه ، وشراؤه وبيعه .

29504 - ولم يختلفوا في القرد ، والفأر وكل ما لا منفعة فيه أنه لا يجوز بيعه ، ولا شراؤه ولا أكل ثمنه .

[ ص: 125 ] 29505 - وقد روي في ثمن الهر حديث لا يثبت رفعه في النهي عنه فذكرناه وعلته في " التمهيد " ، والله يوفقنا أفضل ما رضوه ، وبه العون .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث