الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى أحسب الناس أن يتركوا

أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون

الاستفهام في أحسب مستعمل في الإنكار ، أي إنكار حسبان ذلك . و " حسب " بمعنى ظن ، وتقدم في قوله تعالى : أم حسبتم أن تدخلوا الجنة في سورة البقرة . والمراد بالناس كل الذين آمنوا ، فالقول كناية عن حصول المقول في نفس الأمر ، أي أحسب الناس وقوع تركهم لأن يقولوا آمنا ، فقوله : أن يتركوا مفعول أول لـ " حسب " . وقوله : أن يقولوا آمنا شبه جملة في محل المفعول الثاني وهو مجرور بلام جر محذوف مع " أن " حذفا مطردا ، والتقدير : أحسب الناس تركهم غير مفتونين لأجل قولهم : آمنا ، فإن أفعال الظن والعلم لا تتعدى إلى الذوات ، وإنما تتعدى إلى الأحوال والمعاني وكان حقها أن يكون مفعولها واحدا دالا على حالة ، ولكن جرى استعمال الكلام على أن يجعلوا لها اسم ذات مفعولا ، ثم يجعلوا ما يدل على حالة للذات مفعولا ثانيا ؛ ولذلك قالوا : إن مفعولي أفعال القلوب أي العلم ونحوه أصلهما مبتدأ وخبر .

والترك : عدم تعهد الشيء بعد الاتصال به .

والترك هنا مستعمل في حقيقته ؛ لأن الذين آمنوا قد كانوا مخالطين للمشركين ومن زمرتهم ، فلما آمنوا اختصوا بأنفسهم وخالفوا أحوال قومهم ، وذلك مظنة أن يتركهم المشركون وشأنهم ، فلما أبى المشركون إلا منازعتهم طمعا في إقلاعهم عن [ ص: 203 ] الإيمان وقع ذلك منهم موقع المباغتة والتعجب ، وتقدم الترك المجازي في قوله تعالى : وتركهم في ظلمات لا يبصرون أوائل البقرة .

و أن يقولوا في موضع نصب على نزع الخافض الذي هو لام التعليل ، والتقدير : لأجل أن يقولوا آمنا .

وجملة وهم لا يفتنون حال ، أي لا يحسبون أنهم سالمون من الفتنة إذا آمنوا .

والفتن والفتون : فساد حال الناس بالعدوان والأذى في الأنفس والأموال والأهلين . والاسم الفتنة ، وقد تقدم عند قوله تعالى : إنما نحن فتنة فلا تكفر في سورة البقرة .

وبناء فعلي يتركوا ، و يفتنون للمجهول ؛ للاستغناء عن ذكر الفاعل لظهور أن الفاعل قوم ليسوا بمؤمنين ، أي أن يتركوا خالين عن فتون الكافرين إياهم ، لما هو معروف من الأحداث قبيل نزولها ، ولما هو معلوم من دأب الناس أن يناصبوا العداء من خالفهم في معتقداتهم ، ومن ترفع عن رذائلهم . والمعنى : أحسب الذين قالوا آمنا أن يتركهم أعداء الدين دون أن يفتنوهم . ومن فسروا الفتون هنا بما شمل التكاليف الشاقة مثل الهجرة والجهاد - قد ابتعدوا عن مهيع المعنى واللفظ ، وناكدوا ما تفرع عنه من قوله : فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين .

وإنما لم نقدر فاعل يتركوا و يفتنون أنه الله تعالى تحاشيا مع التشابه مع وجود مندوحة عنه .

وهذه الفتنة مراتب ، أعظمها التعذيب كما فعل ببلال وعمار بن ياسر وأبويه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث