الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

وافق يوم جمعة يوم عيد وحضر أهل القرى الذين تلزمهم الجمعة

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 358 ] قال المصنف - رحمه الله تعالى - : ( وإن اتفق يوم عيد ويوم جمعة فحضر أهل السواد فصلوا العيد جاز أن ينصرفوا ويتركوا الجمعة ; لما روي عن عثمان رضي الله عنه أنه قال في خطبته : " أيها الناس قد اجتمع عيدان في يومكم فمن أراد من أهل العالية أن يصلي معنا الجمعة فليصل ومن أراد أن ينصرف فلينصرف " ولم ينكر عليه أحد ، ولأنهم إذا قعدوا في البلد لم يتهيئوا بالعيد ، فإن خرجوا ثم رجعوا للجمعة كان عليهم في ذلك مشقة والجمعة تسقط بالمشقة .

ومن أصحابنا من قال : تجب عليهم الجمعة ; لأن من لزمته الجمعة في غير يوم العيد وجبت عليه في يوم العيد كأهل البلد ، والمنصوص في الأم هو الأول ) .

التالي السابق


( الشرح ) هذا الأثر عن عثمان رضي الله عنه رواه البخاري في صحيحه ، والعالية بالعين المهملة هي قرية بالمدينة من جهة الشرق ; وأهل السواد هم أهل القرى ، والمراد هنا أهل القرى الذين يبلغهم النداء ولزمهم حضور الجمعة في البلد في غير العيد ; وينكر على المصنف قوله ( روي عن عثمان ) بصيغة التمريض مع أنه حديث صحيح وقد سبق التنبيه على نظائره .

وقوله ( يتهيأ ) مهموز .

( وأما الأحكام ) فقال الشافعي والأصحاب : إذا اتفق يوم جمعة يوم عيد وحضر أهل القرى الذين تلزمهم الجمعة لبلوغ نداء البلد فصلوا العيد لم تسقط الجمعة بلا خلاف عن أهل البلد ، وفي أهل القرى وجهان : الصحيح المنصوص للشافعي في الأم والقديم : أنها تسقط ( والثاني ) : لا تسقط ، ودليلها في الكتاب ، وأجاب هذا الثاني عن قول عثمان ونص الشافعي فحملهما على من لا يبلغه النداء .

( فإن قيل ) هذا التأويل باطل ; لأن من لا يبلغه النداء لا جمعة عليه في غير يوم العيد ففيه أولى فلا فائدة في هذا القول له .

( فالجواب ) : أن هؤلاء إذا حضروا البلد يوم الجمعة غير يوم العيد يكره لهم الخروج قبل أن يصلوا الجمعة ، صرح بهذا كله المحاملي والشيخ أبو حامد في التجريد وغيرهما من الأصحاب ، قالوا : فإذا كان يوم عيد زالت تلك الكراهة فبين عثمان والشافعي زوالها ، والمذهب ما سبق ، وهو سقوطها عن أهل القرى الذين يبلغهم النداء .

[ ص: 359 ] فرع ) في مذاهب العلماء في ذلك قد ذكرنا أن مذهبنا وجوب الجمعة على أهل البلد وسقوطها عن أهل القرى وبه قال عثمان بن عفان وعمر بن عبد العزيز وجمهور العلماء ، وقال عطاء بن أبي رباح : إذا صلوا العيد لم تجب بعده في هذا اليوم صلاة الجمعة ، ولا الظهر ، ولا غيرهما إلا العصر لا على أهل القرى ولا أهل البلد .

قال ابن المنذر : وروينا نحوه عن علي بن أبي طالب وابن الزبير رضي الله عنهم وقال أحمد : تسقط الجمعة عن أهل القرى وأهل البلد ولكن يجب الظهر ، وقال أبو حنيفة : لا تسقط الجمعة عن أهل البلد ، ولا أهل القرى .

واحتج الذين أسقطوا الجمعة عن الجميع بحديث زيد بن أرقم وقال : { شهدت مع النبي صلى الله عليه وسلم عيدين اجتمعا فصلى العيد ثم رخص في الجمعة وقال : من شاء أن يصلي فليصل } رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه بإسناد جيد ، ولم يضعفه أبو داود ; وعن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : { قد اجتمع في يومكم هذا عيدان فمن شاء أخر أمر الجمعة وإنا مجتمعون } رواه أبو داود وابن ماجه بإسناد ضعيف ، واحتج لأبي حنيفة بأن الأصل الوجوب .

واحتج عطاء بما رواه هو قال : " اجتمع يوم جمعة ويوم عيد على عهد ابن الزبير فقال : عيدان اجتمعا فجمعهما جميعا فصلاهما ركعتين بكرة لم يزد عليهما حتى صلى العصر " رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط مسلم .

وعن عطاء قال " صلى ابن الزبير في يوم عيد يوم جمعة أول النهار ثم رحنا إلى الجمعة فلم يخرج إلينا فصلينا وحدانا وكان ابن عباس بالطائف فلما قدم ذكرنا ذلك له فقال : أصاب السنة " رواه أبو داود بإسناد حسن أو صحيح على شرط مسلم واحتج أصحابنا بحديث عثمان وتأولوا الباقي على أهل القرى لكن قول ابن عباس من السنة مرفوع وتأويله أضعف .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث