الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


1365 [ ص: 151 ] ( 31 ) باب السلفة في العروض .

1327 - مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن القاسم بن محمد ، أنه قال : سمعت عبد الله بن عباس ، ورجل يسأله : عن رجل سلف في سبائب فأراد بيعها قبل أن يقبضها . فقال ابن عباس : تلك الورق بالورق . وكره ذلك .

29558 - قال مالك : وذلك فيما نرى ، والله أعلم ، أنه أراد أن يبيعها من صاحبها الذي اشتراها منه بأكثر من الثمن الذي ابتاعها به ، ولو أنه باعها من غير الذي اشتراها منه ، لم يكن بذلك بأس .

التالي السابق


29559 - قال أبو عمر : السبائب عمائم الكتان وغيره ، وقيل : شفق الكتان وغيره ، وقيل : الملاحف .

29560 - وأما بيع ما سلف فيه من العروض قبل قبضها ، فقد اختلف فيها السلف والخلف من العلماء .

29561 - فمنهم من رأى العروض والطعام في ذلك سواء .

29562 - وهو مذهب ابن عباس ، ولذلك كره بيع السبائب للذي سلف فيها [ ص: 152 ] قبل أن يقبضها ، وذلك معروف محفوظ ، عن ابن عباس ؛ لأنه عنده من باب ربح ما لم يضمن على خلاف ما ظنه مالك رحمه الله .

29563 - وروى معمر ، والثوري ، وابن عيينة ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس .

29564 - وعن عمرو بن دينار ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من ابتاع طعاما ، فلا يبعه حتى يقبضه " .

29565 - قال ابن عباس : وأحسب كل شيء بمنزلة الطعام .

29566 - وحجة من ذهب هذا المذهب نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربح ما لم يضمن .

29567 - ومعناه ما كان في ضمان غيره ، فليس له أن يبيعه ؛ لأن المعنى أنه نهي عن بيع ما لم يضمن ، فصار الربح ، وغير الربح في ذلك سواء ؛ لأنه ما جاز بيعه برأس المال ودونه .

29568 - وهذا ما لا خلاف فيه ، فأغنى عن الكلام عليه .

29569 - وروى معمر ، عن أيوب ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع وسلف ، وعن شرطين في بيع ، وعن [ ص: 153 ] بيع ما ليس عندك ، وعن ربح ما لم يضمن .

29570 - وروى جابر بن عبد الله ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع الطعام حتى يستوفى ، وكان يقف أنه لا يباع حتى يقبض ، فدل أنه قبض منه ما فهم ابن عباس .

29571 - وروى حكيم بن حزام ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إذا ابتعت بيعا ، فلا تبعه حتى تقبضه " .

29572 - وأما اختلافه عن الفقهاء - أئمة الفتوى - في هذا الباب : 29573 - فجملة مذهب مالك فيه أنه قال : لا بأس ببيع غير المأكول والمشروب نحو الثياب والعروض لكل من سلم فيها ، أو اشتراها قبل أن يقبضها ، فمن اشتراها منه إلا أنه إذا سلف فيها ، فلا يجوز بيعها من الذي نهى عليه إلا بمثل رأس المال ، أو أقل ، لا يزيد إلا على رأس ماله ، ولا يؤخذ ، لأنه إن باعه بأكثر كان ذلك فضة ، أو ذهبا بأزيد منها إلى أجل ، وكذلك إذا أخره كان أيضا عنده دينا في دين ، فإن باع منه شيئا مما يسلم فيه إليه من العروض بعرض ، [ ص: 154 ] وكان قد سلم فيه إليه عينا جاز قبل محل الأجل ، وبعده إذا قبض العرض ، ولم يؤخره ، وكذلك لو كان رأس مال المسلم عرضا ، وباعه منه بعرض مخالف خلافا بينا لعرضه الذي سلم فيه ، ويجوز عنده أن يبيعه من غير من أسلم فيه إليه بأقل ، أو أكثر إذا انتقد الثمن .

29574 - وقد بينا مذهب مالك في هذا المعنى ، وغيره في كتاب البيوع من الكتاب " الكافي " .

29575 - وحجة مالك ومن قال بقوله في هذا الباب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خص الطعام ألا يبيعه كل من ابتاعه حتى يستوفيه ، ويقبضه ، فإدخال غير الطعام في معناه ليس بأصل ، ولا قياس ؛ لأنه زيادة على النص بغير نص .

29576 - وهذا أيضا مذهب أحمد بن حنبل ، وداود بن علي ؛ لأن الله تعالى قد أحل البيع مطلقا إلا ما خصه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم وذكره في كتابه .

29577 - وأما حديث حكيم بن حزام ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إذا ابتعت بيعة ، فلا تبعه حتى تقبضه " ، فإنما أراد الطعام بدليل رواية الحفاظ لحديث حكيم بن حزام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : " إذا ابتعت طعاما ، فلا تبعه حتى تقبضه . "

[ ص: 155 ] 29578 - وقال الشافعي : لا يجوز بيع شيء ابتعته حتى تقبضه طعاما كان أو غيره .

29579 - قال : وكذلك العقار ، والعروض كلها ، وكل ما ملك بشراء أو خلع ، أو نكاح .

29580 - وقال أبو حنيفة : لا يجوز بيع شيء ملك بعقد ، ينتقض العقد بهلاكه قبل القبض كالبيع والإجارة ، إلا العقار ، فإنه يجوز بيعه قبل القبض في ذلك كله .

29581 - قال : وجائز بيع ما ملك بعقد لا ينتقض العقد بهلاكه قبل القبض ، كالمهر ، والجعل في الخلع .

29582 - وقال أبو يوسف ، ومحمد مثل قول أبي حنيفة في ذلك كله ، إلا في العقار ، فإنهما قالا : لا يجوز بيع العقار ، وبيع العقار قبل القبض إذا ملك كالشراء .

29583 - ثم رجع أبو يوسف إلى قول أبي حنيفة .

29584 - وقال الثوري : لا يجوز بيع شيء من المسلم قبل القبض .

29585 - وقال الأوزاعي : من اشترى ثمرة لم يجز له بيعها قبل القبض .

29586 - وقال عثمان البتي : لا بأس أن يبيع كل شيء قبل أن يقبضه ، وإن [ ص: 156 ] كان ما يكال ، أو يوزن .

29587 - قال أبو عمر : قول البتي خلاف السنة الثابتة من أخبار الآحاد العدل ، وخلاف الجمهور ، فلا معنى له ، ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع الطعام حتى يستوفى ، وروي ذلك من وجوه شتى صحاح كلها .

29588 - وروى أبو الزناد ، عن عبيد بن حنين ، عن ابن عمر ، عن زيد بن ثابت ، قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع السلع حيث تباع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث