الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون ونحن أقرب إليه منكم

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

قال الله تعالى: فلولا إذا بلغت الحلقوم (83) وأنتم حينئذ تنظرون (84) ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون (85) فلولا إن كنتم غير مدينين (86) ترجعونها إن كنتم صادقين (87) فأما إن كان من المقربين (88) فروح وريحان وجنت نعيم (89) وأما إن كان من أصحاب اليمين (90) فسلام لك من أصحاب اليمين (91) وأما إن كان من المكذبين الضالين (92) فنـزل من حميم (93) وتصلية جحيم (94) إن هذا لهو حق اليقين

قال آدم بن أبي إياس : حدثنا حماد بن سلمة ، عن عطاء بن السائب ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، قال: تلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الآيات: فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون إلى قوله: فروح وريحان وجنت [ ص: 354 ] نعيم إلى قوله: فنـزل من حميم وتصلية جحيم قال: "إذا كان عند الموت قيل له هذا، فإن كان من أصحاب اليمين أحب لقاء الله وأحب الله لقاءه، وإن كان من أصحاب الشمال كره لقاء الله وكره الله لقاءه " .

وخرج الإمام أحمد ، من طريق همام، عن عطاء بن السائب ، سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى - وهو يتبع جنازة يقول: حدثني فلان بن فلان . سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه " . فأكب القوم يبكون . قال: "ما يبكيكم؟ " قالوا: إنا نكره الموت . قال: "ليس ذاك، ولكنه إذا حضر: فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنت نعيم فإذا بشر بذلك أحب لقاء الله، والله للقائه أحب . وأما إن كان من المكذبين الضالين فنـزل من حميم وتصلية جحيم وفي قراءة ابن مسعود : " ثم تصلية جحيم" . فإذا بشر بذلك كره لقاء الله والله للقائه أكره " .

خرج ابن البراء في كتاب "الروضة" من حديث عمرو بن شمر - وهو ضعيف جدا - عن جابر الجعفي ، عن تميم بن حذلم، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ما من ميت يموت إلا وهو يعرف غاسله، ويناشد حامله، إن كان بشر بروح وريحان وجنة نعيم أن يعجله، وإن بشر بنزل من حميم وتصلية جحيم أن يحبسه " .

وفي "صحيح البخاري "، عن عبادة بن الصامت ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه "، فقالت عائشة ، أو بعض أزواجه: إنا نكره الموت . قال: "ليس ذلك، ولكن المؤمن إذا حضره [ ص: 355 ] الموت بشر برضوان الله وكرامته، فليس شيء أحب إليه مما أمامه، فأحب لقاء الله وأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا حضر، بشر بعذاب الله وعقوبته، فليس شيء أكره إليه مما أمامه، فكره لقاء الله وكره الله لقاءه " .

وقد روي هذا المعنى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه متعددة .

وفي حديث زاذان ، عن البراء بن عازب ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن نفس المؤمن يقال لها: اخرجي أيتها النفس المطمئنة إلى مغفرة من الله ورضوان، فتخرج وتسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، وإن نفس الكافر يقال لها: اخرجي أيتها النفس الخبيثة إلى غضب الله وسخطه، فتتفرق في جسده، وتأبى أن تخرج، فيجذبونها، فتنقطع معها العروق والعصب " .

وفي رواية عيسى بن المسيب عن عدي بن ثابت ، عن البراء ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "فتتفرق روحه في جسده، كراهة أن تخرج لما ترى وتعاين، فيستخرجها . كما يستخرج السفود من الصوف المبلول " . وقد دل القرآن على عذاب القبر في مواضع أخر كقوله تعالى: ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون

وخرج الترمذي بإسناده، عن علي قال: ما زلنا في شك من عذاب القبر حتى نزلت: ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر [ ص: 356 ] وخرج ابن حبان في "صحيحه "، من حديث حماد بن سلمة ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، في قوله سبحانه وتعالى: فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال: "عذاب القبر" .

وقد روي موقوفا، وروي من وجه آخر عن أبي هريرة مرفوعا .

وروي من وجه آخر من حديث أبي سعيد الخدري ، مرفوعا وموقوفا . وسيأتي ذلك كله إن شاء الله تعالى . وقال آدم بن أبي إياس ، حدثنا المسعودي ، عن عبد الله بن المخارق، عن أبيه، عن ابن مسعود - رضي الله عنه -، قال: إذا مات الكافر أجلس في قبره، فيقال له: من ربك؟ وما دينك؟ فيقول: لا أدري، فيضيق عليه قبره، ثم قرأ ابن مسعود : فإن له معيشة ضنكا قال: المعيشة الضنك: عذاب القبر . وروى شريك، عن ابن إسحاق ، عن البراء ، في قوله عز وجل: عذابا دون ذلك قال: عذاب القبر . وكذا روي عن ابن عباس ، في قوله سبحانه وتعالى: ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر أنه عذاب القبر . وكذا قال قتادة ، والربيع بن أنس ، في قوله عز وجل: سنعذبهم مرتين إحداهما في الدنيا، والأخرى هي عذاب القبر . وقد تواترت الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في عذاب القبر والتعوذ منه . [ ص: 357 ] وفي "الصحيحين " عن مسروق عن عائشة - رضي الله عنها -، أنها سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن عذاب القبر، قال: "نعم، عذاب القبر حق" قالت عائشة - رضي الله عنها -: فما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر . وفيهما عن عمر ، عن عائشة - رضي الله عنها -، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إني رأيتكم تفتنون في القبور كفتنة الدجال "، قالت عائشة - رضي الله عنها -: فكنت أسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك يتعوذ من عذاب القبر .

وفي "صحيح مسلم " عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات " .

وفيه - أيضا -، عن أبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر، فليتعوذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال " .

وفي "صحيح مسلم " عن زيد بن ثابت ، قال: بينما النبي - صلى الله عليه وسلم - في حائط بني النجار على بغلة له، ونحن معه، إذ حادت به، فكادت أن تلقيه، وإذا أقبر ستة أو خمسة أو أربعة، فقال: "من يعرف أصحاب هذه الأقبر؟ " فقال رجل: أنا، فقال: "متى مات هؤلاء؟ " فقال: ماتوا في الإشراك، فقال النبي [ ص: 358 ] - صلى الله عليه وسلم -: "إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه " . ثم أقبل علينا بوجهه فقال: "تعوذوا بالله من عذاب النار"، فقالوا: نعوذ بالله من عذاب النار، فقال: "تعوذوا بالله من عذاب القبر" . قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر، فقال: "تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن "، قالوا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، قال: "تعوذوا بالله من فتنة الدجال "، قالوا: نعوذ بالله من فتنة الدجال .

وفي "صحيح مسلم " عن أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر" .

وفي "الصحيحين "، من حديث أبي أيوب الأنصاري ، قال: خرج علينا النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد وجبت الشمس، فسمع صوتا، فقال: "يهود تعذب في قبورها" . وخرج الإمام أحمد ، وأبو داود ، من حديث البراء بن عازب ، قال: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولم يلحد، فجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجلسنا حوله، كأن على رؤوسنا الطير، وفي يده عود ينكت به الأرض، فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأسه، فقال: "استعيذوا بالله من عذاب القبر"، مرتين أو ثلاثا، وذكر الحديث بطوله .

وخرج الإمام أحمد ، من حديث أبي الزبير ، عن جابر بن عبد الله ، قال: دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - نخلا لبني النجار، فسمع أصوات رجال من بني النجار، ماتوا في الجاهلية، يعذبون في قبورهم، فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فزعا فأمر [ ص: 359 ] أصحابه أن يتعوذوا بالله من عذاب القبر .

وخرجه - أيضا - من حديث أبي سفيان ، عن جابر ، عن أم مبشر، قالت: دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا في حائط من حوائط بني النجار، فيه قبور منهم، قد ماتوا في الجاهلية، فسمعهم يعذبون، فخرج وهو يقول: "استعيذوا بالله من عذاب القبر"، قلت: يا رسول الله ليعذبون في قبورهم؟ قال: "نعم عذابا تسمعه البهائم " .

وفي "الصحيحين " عن ابن عباس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر بقبرين، فقال: "إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة"، ثم أخذ جريدة رطبة، فشقها باثنتين، ثم غرز على كل قبر منهما واحدة، قالوا: لم فعلت هذا يا رسول الله؟ قال: "لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا" .

وقد روي هذا الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا المعنى من وجوه متعددة، خرجه ابن ماجه من حديث أبي بكرة ، وفي حديثه: "وأما الآخر يعذب في الغيبة" . وخرجه الخلال وغيره، من حديث أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفي بعض رواياته: "وأما الآخر فكان يهمز الناس بلسانه، ويمشي بينهم بالنميمة" . وخرجه الطبراني من حديث عائشة - رضي الله عنها -، وأنس بن مالك ، وابن عمر - رضي الله عنهم - . [ ص: 360 ] وخرجه أبو يعلى الموصلي وغيره، من حديث جابر ، وفي حديثه: "أما أحدهما فكان يغتاب الناس " .

وخرجه الإمام أحمد ، من حديث أبي أمامة ، وفي حديثه قالوا: يا نبي الله، وحتى متى يعذبان؟ قال: " غيب لا يعلمه إلا الله، ولولا تمريج في قلوبكم وتزيدكم في الحديث لسمعتم ما أسمع " .

وروي من وجوه أخر . وخرج النسائي ، من حديث عائشة - رضي الله عنها -، قالت: دخلت علي امرأة من اليهود فقالت: إن عذاب القبر من البول، قلت: كذبت، قالت: بلى، إنه ليقرظ من الجلد والثوب، قالت: فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الصلاة، وقد ارتفعت أصواتنا، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "ما هذا؟ " فأخبرته بما قالت، فقال: "صدقت " .

وخرج الإمام أحمد ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه ، من حديث عبد الرحمن بن حسنة، سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "ألم تعلموا ما لقي صاحب بني إسرائيل; كانوا إذا أصابهم البول قطعوا ما أصابه البول، فنهاهم فعذب في قبره " .

وخرج الإمام أحمد ، وابن ماجه ، من حديث أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أكثر عذاب القبر من البول " . وروي موقوفا على أبي هريرة - رضي الله عنه - . وخرج البزار ، والحاكم ، من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - [ ص: 361 ] قال: "إن عامة عذاب القبر من البول، فتنزهوا منه " .

وخرج الطبراني ، والدارقطني ، من حديث أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "اتقوا البول، فإنه أول ما يحاسب به العبد في القبر" .

وخرج ابن عدي ، من حديث أنس - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر برجل يعذب في قبره من النميمة، ورجل يعذب في قبره من الغيبة، ورجل يعذب في قبره من البول .

وخرج أيضا، بإسناد ضعيف، عن قتادة ، عن أنس - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "فتنة القبر من ثلاث: من الغيبة، والنميمة، والبول " .

ولكن روى عبد الوهاب الخفاف، عن سعيد ، عن قتادة ، قال: كان يقال: عذاب القبر من ثلاثة أثلاث: ثلث من الغيبة، وثلث من النميمة، وثلث من البول . خرجه الخلال وهذا أصح .

وخرج الأثرم والخلال من حديث ميمونة - مولاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لها؟ "يا ميمونة ! إن من أشد عذاب القبر من الغيبة والبول " .

وقد ذكر بعضهم السر في تخصيص البول والغيبة والنميمة بعذاب القبر . وهو أن القبر أول منازل الآخرة، وفيه أنموذج ما يقع في يوم القيامة من العقاب والثواب . والمعاصي التي يعاقب عليها العبد يوم القيامة نوعان: حق الله، وحق العباد، وأول ما يقضى فيه يوم القيامة من حقوق الله الصلاة، ومن حقوق العباد الدماء . [ ص: 362 ] وأما البرزخ فقضى فيه في مقدمات هذين الحقين ووسائلهما، فمقدمة الصلاة: الطهارة من الحدث والخبث، ومقدمة الدماء النميمة والوقيعة في الأعراض، وهما أيسر أنواع الأذى، فيبدأ في البرزخ بالمحاسبة والعقاب عليهما .

وروى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أبي إسحاق ، عن أبي ميسرة، عمرو بن شرحبيل ، قال: مات رجل، فلما دخل في قبره أتته الملائكة، فقالوا: إنا جالدوك مائة جلدة من عذاب الله، قال: فذكر صلاته وصيامه واجتهاده قال: فخففوا عنه حتى انتهى إلى عشرة، ثم سألهم، فخففوا عنه حتى انتهى إلى واحدة، فجلدوه جلدة اضطرم قبره نارا، وغشي عليه، فلما أفاق قال: فيم جلدتموني هذه الجلدة؟ قالوا: إنك بلت يوما، ثم صليت ولم تتوضأ . وسمعت رجلا يستغيث مظلوما، فلم تغثه .

ورواه أبو سنان ، عن أبي إسحاق ، عن أبي ميسرة ، بنحوه .

ورويناه من طريق حفص بن سليمان القارئ وهو ضعيف جدا، عن عاصم ، عن أبي وائل، عن ابن مسعود ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - به .

فعذاب القبر حصل ها هنا بشيئين: أحدهما: ترك طهارة الحدث . والثاني: ترك نصرة المظلوم مع القدرة عليه، كما أنه في الأحاديث المتقدمة حصل بترك طهارة الخبث، والظلم بالقول، وهي متقاربة في المعنى .

وفي حديث عبد الرحمن بن سمرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إني رأيت الليلة عجبا" فذكر الحديث بطوله، وفيه: "رأيت رجلا من أمتي بسط عليه عذاب القبر، فجاءه وضوءه فاستنقذه منه " . أخرجه الطبراني وغيره . [ ص: 363 ] ففي هذا الحديث أن الطهارة من الحدث تنجي من عذاب القبر . وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ينجي من عذاب القبر، كما تقدم ذكره في الباب الثاني، لأن فيه غاية النفع للناس في دينهم . وكذلك الجهاد والرباط، لأن المجاهد والمرابط في سبيل الله كل منهما بذل نفسه، وسمح بنفسه لتكون كلمة الله هي العليا، ودينه هو الظاهر، وليذب عن إخوانه المؤمنين عدوهم .

ففي الترمذي ، عن المقدام بن معديكرب ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر " وذكر بقية الحديث .

وخرج الحاكم وغيره، من حديث أبي أيوب ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من لقي العدو في سبيل الله فصبر حتى يقتل أو يغلب لم يفتن في قبره أبدا " .

وفي "صحيح مسلم " عن سلمان ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات أجري عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمن الفتان" . وخرجه غيره وقال فيه: "ووقي عذاب القبر" .

وخرج الترمذي وأبو داود ، من حديث فضالة بن عبيد، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - معناه أيضا، وروي من وجوه أخر . [ ص: 364 ] وخرج النسائي من حديث راشد بن سعد ، عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أن رجلا قال: يا رسول الله، ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال: "كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة" .

وروى مجالد، عن محمد بن المنتشر، عن ربعي، عن حذيفة ، قال: إن في القبر حسابا، وفي القيامة حسابا، فمن حوسب يوم القيامة عذب .

وروى ابن عجلان، عن عون بن عبد الله ، قال: يقال: إن العبد إذا أدخل قبره، سئل عن صلاته أول شيء يسأل عنه، فإن جازت له صلاته، نظر فيما سوى ذلك من عمله، وإن لم تجز له، لم ينظر له في شيء من عمله بعد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث