الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون ؛ [ ص: 5101 ]

الضمير في قوله: أخذناهم بالعذاب ؛ يعود إلى مشركي مكة؛ الذين كانوا يعاندون النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ أو يعود إلى الكفار عامة؛ من حيث إنه بيان لحال الكفار؛ في أنهم إذا نزلت بهم جائحة؛ أو شديدة؛ خنعوا في وقت نزولها؛ وما استكانوا لها؛ وما تضرعوا لها؛ وما تضرعوا بعدها؛ وآمنوا؛ كان تفسير الزمخشري على أن موضوع القول: هم كفار مكة؛ نزلت بهم مجاعة؛ كما جعل موضوع الآية السابقة؛ والآية التالية؛ أهل مكة؛ وذكر أن ثمامة بن أثال الحنفي منع الميرة عن أهل مكة؛ وقال: لا أعطيكم حبة حنطة إلا أن يأذن رسول الله؛ فأخذهم الله (تعالى) بالسنين؛ فجاء أبو سفيان إلى رسول الله في المدينة؛ وقال له: أنشدك الله والرحم؛ ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين؟ فقال محمد - صلى الله عليه وسلم - " بلى " ؛ فقال: قتلت الآباء؛ وجوعت الأبناء؛ فنزلت هذه الآيات الثلاث.

وربما يكون هذا الكلام مستقيما لو كانت الآيات بعد غزوة " بدر " ؛ وبعد الغزوات كلها؛ إلى الحديبية؛ ولكن السورة كلها مكية؛ ونسقها مكي؛ فكيف تجيء آية بمعان مدنية لم تتحقق إلا في المدينة؟! ولم يثبت أن هذه الآيات نزلت بالمدينة استثناء من السورة؛ ولذا نقول: إن الآيات الثلاث عامة في وصف غير الكفار في كفرهم؛ من أنهم يخنعون عند الشدائد؛ ويعودون إلى الاستكبار؛ فيخنعون؛ ثم يتمردون؛ اقرأ قوله (تعالى): فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون

فالله - جل علاه - كان ينزل الشدائد على الكافرين؛ فيذلون عند نزولها؛ ولكن إذا انكشفت الغمة عادوا إلى كفرهم وطغيانهم؛ كما رأينا في فرعون وملئه؛ وقد ذكر - سبحانه وتعالى - أن ذلك شأن كل الكافرين؛ يكشف الله (تعالى) عنهم الضر إذا أصيبوا به؛ فيخنعون في وقته؛ ثم يعودون إلى كفرهم بعد كشفه. [ ص: 5102 ] وقوله (تعالى): فما استكانوا لربهم وما يتضرعون ؛ الفاء للإفصاح؛ و " الاستكانة " ؛ معناها؛ كما أشار الراغب؛ وبين الزمخشري: الانتقال من كون إلى كون؛ وحال إلى حال؛ فهي " افتعل " ؛ من " كان " ؛ أي: فما انتقلوا من الكون الذي هم فيه؛ وهو الكفر؛ إلى الكون الذي يدعوهم رسولهم إليه؛ وهو الإيمان بالله ورسوله؛ وما يتضرعون ؛ أي: لم ينتقلوا إلى كون الإيمان؛ وما اتجهوا بالضراعة الدائمة المتجددة لله (تعالى)؛ المستمرة شأن المؤمنين الضارعين لربهم؛ وكان نفي المضارع لنفي تجدد الضراعة ودوامها في كل أحوال الشخص؛ لا في وقت الشدة فقط.

وقوله: ولقد أخذناهم بالعذاب ؛ معناها أخذناهم متلبسين بالعذاب؛ أي أنه - سبحانه - أخذهم؛ وهم في حال العذاب وأنقذهم؛ ومع ذلك استمروا على كفرهم؛ وإنهم يستمرون في غيهم حتى يجيئهم العذاب الذي لا يزول; ولذا قال (تعالى): حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد إذا هم فيه مبلسون ؛ سار الزمخشري على المنهاج الذي ارتضاه في الآيات الثلاث؛ وهو أن موضوع الآيات أهل مكة؛ فذكر أن الباب الذي فتحه الله (تعالى) هو الجوع؛ وذكر أنه أشد الأبواب؛ ونحن على رأينا؛ وهو أن الآيات وصف للمشركين في الشدائد؛ تنزل بهم؛ والكفر المستمر الذي يلابسهم في كل أحوالهم؛ ويكون الباب الذي يفتح عليهم من العذاب؛ ولا يغلق يوم القيامة.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث