الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كلام آخر للخلال في السنة

وقال الخلال في " السنة ": "أخبرني علي بن عيسى أن حنبلا حدثهم قال: سمعت أبا عبد الله يقول: "من زعم أن الله لم يكلم موسى فقد كفر بالله، وكذب القرآن، ورد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره، يستتاب من هذه المقالة، فإن تاب وإلا ضربت عنقه".

قال: "وسمعت أبا عبد الله قال: وكلم الله موسى [ سورة النساء: 164] فأثبت الكلام لموسى كرامة منه لموسى، ثم قال تعالى يؤكد كلامه: تكليما [ سورة النساء: 164].

قلت لأبي عبد الله: "الله عز وجل يكلم عبده يوم القيامة؟ قال: نعم، فمن يقضي بين الخلائق إلا الله عز وجل؟ يكلم عبده ويسأله، الله [ ص: 38 ] متكلم، لم يزل الله يأمر بما يشاء ويحكم، وليس به عدل ولا مثل، كيف شاء، وأنى شاء".

قال الخلال: "أخبرنا محمد بن علي بن بحر أن يعقوب بن بختان حدثهم، أن أبا عبد الله سئل عمن زعم أن الله لم يتكلم بصوت؟ فقال: بلى، تكلم بصوب، وهذه الأحاديث كما جاءت نرويها، لكل حديث وجه، يريدون أن يموهوا على الناس، من زعم أن الله لم يكلم موسى فهو كافر.

حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عبد الله - يعني ابن مسعود - قال: "إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء فيخرون سجدا، حتى إذا فزغ عن قلوبهم - قال: سكن عن قلوبهم - نادى أهل السماء: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، قال: كذا وكذا".

قال الخلال: "وأنبأنا أبو بكر المروزي: سمعت أبا عبد الله [ ص: 39 ] - وقيل له: إن عبد الوهاب قد تكلم وقال: من زعم أن الله كلم موسى بلا صوت فهو جهمي عدو الله وعدو الإسلام - فتبسم أبو عبد الله وقال "ما أحسن ما قال! عافاه الله!".

وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن قوم يقولون: لما كلم موسى لم يتكلم بصوت، فقال أبي: بلى، تكلم تبارك وتعالى بصوت، وهذه الأحاديث نرويها كما جاءت، وحديث ابن مسعود: "إذا تكلم الله بالوحي سمع له صوت كجر السلسلة على الصفوان" قال أبي: والجهمية تنكره، قال أبي: وهؤلاء كفار يريدون أن يموهوا على الناس، من زعم أن الله لم يتكلم فهو كافر، إنما نروي هذه الأحاديث كما جاءت". [ ص: 40 ]

قلت: وهذا الصوت الذي تكلم الله به ليس هو الصوت المسموع من العبد، بل ذلك صوته كما هو معلوم لعامة الناس، وقد نص على ذلك الأئمة: أحمد وغيره، فالكلام المسموع منه هو كلام الله، لا كلام غيره، كما قال تعالى: وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله [ سورة التوبة: 6] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ألا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي، فإن قريشا منعوني أن أبلغ كلام ربي" رواه أبو داود وغيره.

وقال صلى الله عليه وسلم: " زينوا القرآن بأصواتكم"، وقال: " ليس منا من لم يتغن بالقرآن".

ذكر الخلال عن إسحاق بن إبراهيم قال لي أبو عبد الله يوما - وكنت [ ص: 41 ] سألته عنه: تدري ما معنى "من لم يتغن بالقرآن" ؟ قلت: لا - قال: هو الرجل يرفع صوته، فهذا معناه، إذا رفع صوته لقد تغنى به.

وعن صالح بن أحمد أنه قال لأبيه: "زينوا القرآن بأصواتكم" فقال: التزيين أن يحسنه.

وعن الفضل بن زياد قال: سألت أبا عبد الله عن القراءة؟ فقال: يحسنه بصوته من غير تكلف.

وقال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن القراءة بالألحان، فقال: كل شيء محدث فإنه لا يعجبني، إلا أن يكون صوت الرجل لا يتكلفه.

وقال القاضي أبو يعلى: هذا يدل من كلامه على أن صوت القارئ ليس هو الصوت الذي تكلم الله به، لأنه أضافه إلى القارئ الذي هو طبعه من غير أن يتعلم الألحان.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث