الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الصنف التاسع في الظاهر وتأويله

[ ص: 52 ] الصنف التاسع في الظاهر وتأويله

ويشتمل على مقدمة ومسائل .

أما المقدمة : ففي تحقيق معنى الظاهر والتأويل .

أما الظاهر فهو في اللغة عبارة عن الواضح المنكشف ومنه يقال : ظهر الأمر الفلاني ، إذا اتضح وانكشف ، وفي لسان المتشرعة قال الغزالي : اللفظ الظاهر هو الذي يغلب على الظن فهم معنى منه من غير قطع ، وهو غير جامع مع اشتماله على زيادة مستغنى عنها .

أما أنه غير جامع ، فلأنه يخرج منه ما فيه أصل الظن دون غلبة الظن مع كونه ظاهرا .

ولهذا يفرق بين قول القائل : ظن ، وغلبة ظن ، ولأن غلبة الظن ما فيه أصل الظن وزيادة .

وأما اشتماله على الزيادة المستغنى عنها فهي قوله : ( من غير قطع ) فإن من ضرورة كونه مفيدا للظن أن لا يكون قطعيا .

والحق في ذلك أن يقال : اللفظ الظاهر ما دل على معنى بالوضع الأصلي ، أو العرفي ، ويحتمل غيره احتمالا مرجوحا .

وإنما قلنا ( ما دل على معنى بالوضع الأصلي أو العرفي ) احترازا عن دلالته على المعنى الثاني ، إذا لم يصر عرفيا ، كلفظ الأسد في الإنسان وغيره .

وقولنا ( ويحتمل غيره ) احتراز عن القاطع الذي لا يحتمل التأويل .

وقولنا ( احتمالا مرجوحا ) احتراز عن الألفاظ المشتركة .

وهو منقسم إلى ما هو ظاهر بحكم الوضع الأصلي ، كإطلاق لفظ الأسد بإزاء الحيوان المخصوص ، وإلى ما هو ظاهر بحكم عرف الاستعمال ، كإطلاق لفظ الغائط بإزاء الخارج المخصوص من الإنسان .

وأما التأويل ففي اللغة مأخوذ من آل يئول ، أي رجع ، ومنه قوله تعالى ( وابتغاء تأويله ) أي ما يئول إليه ، ومنه يقال : تأول فلان الآية الفلانية ، أي نظر إلى ما يئول إليه معناها .

وأما في اصطلاح المتشرعة قال الغزالي : التأويل عبارة عن احتمال يعضده دليل يصير به أغلب على الظن من المعنى الذي دل عليه الظاهر ، وهو غير صحيح [ ص: 53 ] أما أولا ، فلأن التأويل ليس هو نفس الاحتمال الذي حمل اللفظ عليه ، بل هو نفس حمل اللفظ عليه ، وفرق بين الأمرين ، وأما ثانيا : فلأنه غير جامع فإنه يخرج منه التأويل بصرف اللفظ عما هو ظاهر فيه إلى غيره بدليل قاطع غير ظني ، حيث قال : يعضده دليل يصير به أغلب على الظن من المعنى الذي دل عليه الظاهر ، وأما ثالثا : فلأنه أخذ في حد التأويل من حيث هو تأويل ، وهو أعم من التأويل بدليل ، ولهذا يقال تأويل بدليل وتأويل من غير دليل .

فتعريف التأويل على وجه يوجد معه الاعتضاد بالدليل لا يكون تعريفا للتأويل المطلق ، اللهم إلا أن يقال : إنما أراد تعريف التأويل الصحيح دون غيره .

والحق في ذلك أن يقال : أما التأويل من حيث هو تأويل مع قطع النظر عن الصحة والبطلان ، هو حمل اللفظ على غير مدلوله الظاهر منه ، مع احتماله له .

وأما التأويل المقبول الصحيح فهو حمل اللفظ على غير مدلوله الظاهر منه مع احتماله له بدليل يعضده .

وإنما قلنا ( حمل اللفظ على غير مدلوله ) احترازا ، عن حمله على نفس مدلوله .

وقولنا ( الظاهر منه ) احتراز عن صرف اللفظ المشترك من أحد مدلوليه إلى الآخر فإنه لا يسمى تأويلا .

وقولنا ( مع احتماله له ) احتراز عما إذا صرف اللفظ عن مدلوله الظاهر إلى ما لا يحتمله أصلا ، فإنه لا يكون تأويلا صحيحا .

وقولنا : ( بدليل يعضده ) احتراز عن التأويل من غير دليل ، فإنه لا يكون تأويلا صحيحا أيضا .

وقولنا : ( بدليل يعم القاطع والظني ) وعلى هذا فالتأويل لا يتطرق إلى النص ولا إلى المجمل ، وإنما يتطرق إلى ما كان ظاهرا .

[1] وإذا عرف معنى التأويل فهو مقبول معمول به إذا تحقق مع شروطه ، ولم يزل علماء الأمصار في كل عصر من عهد الصحابة إلى زمننا عاملين به من غير نكير .

[ ص: 54 ] وشروطه أن يكون الناظر المتأول أهلا لذلك ، وأن يكون اللفظ قابلا لتأويل بأن يكون اللفظ ظاهرا فيما صرف عنه محتملا لما صرف إليه ، وأن يكون الدليل الصارف للفظ عن مدلوله الظاهر راجحا على ظهور اللفظ في مدلوله ليتحقق صرفه عنه إلى غيره ، وإلا فبتقدير أن يكون مرجوحا لا يكون صارفا ولا معمولا به اتفاقا ، وإن كان مساويا لظهور اللفظ في الدلالة من غير ترجيح ، فغايته إيجاب التردد بين الاحتمالين على السوية ، ولا يكون ذلك تأويلا غير أنه يكتفى بذلك من المعترض إذا كان قصده إيقاف دلالة المستدل ، ولا يكتفى به من المستدل دون ظهوره ، وعلى حسب قوة الظهور وضعفه وتوسطه يجب أن يكون التأويل .

وتمام كشف ذلك بمسائل ثمان :

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث