الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في حكم الاعتكاف المنذور

جزء التالي صفحة
السابق

فصل في حكم الاعتكاف المنذور

( إذا نذر مدة متتابعة ) ك لله علي اعتكاف عشرة أيام متتابعة ( لزمه ) التتابع فيها إن صرح به لفظا ; لأنه وصف مقصود لما فيه من المبادرة للباقي عقب الإتيان ببعضه ، فإن نوى التتابع بقلبه لم يلزمه ، كما لو نذر أصل الاعتكاف بقلبه كما صححاه ، وهو المعتمد خلافا لما جرى عليه في الإرشاد واختاره السبكي ليوافق ما تقرر في عشرة بليال ، وقولهم : لو نذر أن يعتكف أيام شهر أو شهرا نهارا لم تلزمه الليالي حتى ينويها كمن نذر اعتكاف يوم لا يلزمه ضم الليلة إليه إلا أن ينويها ا هـ .

وصوبه الإسنوي نقلا عن الغزالي وجماعة ومغني ; لأن الليالي إذا وجبت بالنية مع أن في ذلك وقتا زائدا فوجوب التتابع أولى ; لأنه مجرد وصف ، وصححه الأذرعي لكن المصحح عندهما وجرى عليه في الحاوي عدم وجوب التتابع بنيته .

وأجاب البدر الزركشي وغيره عن قولهم المذكور بأن صورته أن ينذر أياما معينة فتجب الليالي المتخللة ; لأنه قد أحاط بها واجبان ، كما لو نذر اعتكاف شهر وظاهر أن ذلك ليس صورته فالأولى ما أجاب به الشيخ من أن التتابع ليس من جنس الزمن المنذور ، بخلاف الليالي بالنسبة للأيام ، ولا يلزم من إيجاب الجنس بنية التتابع إيجاب غيره بها ، وفارق أيضا تأثير النية في قولهم المذكور عدم تأثيرها فيما لو استثنى من الشهر ونحوه الأيام أو الليالي بقلبه فإنه لا يؤثر بأن في ذلك احتياطا للعبادة في الموضعين ، وبأن الغرض من النية هناك إدخال ما قد يراد من اللفظ ; لأن اليوم قد يطلق ويراد به اليوم بليلته ، وهنا إخراج ما شمله اللفظ ، ولو التزم بالنذر التفريق أجزأه التتابع وفارق ما لو نذر صوما متفرقا حيث لا يخرج عن عهدته بالمتوالي كعكسه بأن الشارع [ ص: 227 ] اعتبر في الصوم التفريق مرة والتتابع أخرى ، بخلاف الاعتكاف لم يطلب فيه التفريق أصلا ، وقول الغزالي : لو نوى أياما معينة كسبعة أيام متفرقة أولها غدا تعين تفريقها إنما يأتي على رأيه من كون النية تؤثر كاللفظ والأصح عدم تأثيرها كما مر ( والصحيح أنه لا يجب التتابع بلا شرط ) إذ لفظ الأسبوع ونحوه صادق على المتتابع وغيره فلا يجب أحدهما بخصوصه إلا بدليل ، نعم يسن التتابع .

والثاني يجب كما لو حلف لا يكلم فلانا شهرا ، وفرق الأول بأن المقصود في اليمين الهجر ولا يتحقق بدون التتابع ، وحكم الأيام مع نذر الليالي كحكم الليالي مع نذر الأيام فيما مر ( و ) الأصح كما في الروضة ( أنه لو نذر يوما لم يجز تفريق ساعاته ) من أيام بل عليه الدخول قبل الفجر واللبث إلى ما بعد الغروب ، إذ المفهوم من لفظ اليوم الاتصال ، فقد قال الخليل : إن اليوم اسم لما بين طلوع الفجر وغروب الشمس : والثاني يجوز تنزيلا للساعات من اليوم منزلة الأيام من الشهر ومحل الخلاف ما لم يعين يوما ، فإن عينه امتنع التفريق جزما ولو دخل المسجد في أثنائه ومكث إلى مثله من الغد مع الليلة المتخللة أجزأ عند الأكثرين لحصول التتابع بالبيوتة في المسجد وهذا هو المعتمد وإن ذهب أبو إسحاق إلى عدم إجزائه ، وقال الشيخان : إنه الوجه ; لأنه لم يأت بيوم متواصل الساعات والليلة ليست من اليوم ، ولو نذر يوما أوله من الزوال مثلا امتنع عليه الخروج ليلا باتفاق الأصحاب ( و ) الأصح ( أنه لو لم يعين مدة كأسبوع ) عينه كهذا الأسبوع أو هذه السنة ( وتعرض للتتابع ) فيها لفظا ( وفاتته لزمه التتابع في القضاء ) لالتزامه إياه .

والثاني لا يلزمه لوقوع التتابع ضرورة فلا أثر لتصريحه به ، فإن لم يعين الأسبوع لم يتصور فيه فوات ; لأنه على التراخي . وقول الشارح والأصح كما في الروضة أشار به لقوة الخلاف وأنه غير معطوف على ما قبله من دخول الصحيح فيفيد ضعفه ( وإن لم يتعرض له ) أي التتابع ( لم يلزمه في القضاء ) قطعا لوقوع التتابع فيه غير مقصود وإنما هو من ضرورة تعين الوقت فأشبه التتابع في شهر رمضان

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

( فصل ) في حكم الاعتكاف

( قوله : بنية التتابع ) قضيته وجوب الليالي بنية التتابع للأيام وإن لم يخطر بباله الليالي ، وقوله لم تلزمه الليالي حتى ينويها ظاهر في خلافه ، فلعل المراد بقوله هنا بنية التتابع اللازم لنية الليالي التتابع لا التتابع المنوي بمجرده ( قوله : التفريق مرة إلخ ) أي وذلك في دم التمتع ونحوه والتتابع أخرى في كفارة الظهار ونحوها

[ ص: 227 ] قوله : أياما معينة كسبعة ) أي كأن نذر سبعة أيام ونوى أنها متفرقة ( قوله : فيما مر ) أي في أنه إن نوى الأيام في نذره الليالي وجبت وإلا فلا ( قوله : لم يجز تفريق ساعاته ) ظاهره وإن نوى قدر اليوم وينبغي خلافه وأن ما ذكره محمول على ما لو أطلق فإن نوى يوما كاملا وجب بلا خلاف ، وإن نوى قدر اليوم اكتفى به ولو من أيام لأن غايته أنه استعمل اليوم في ساعات تساويه مجازا أو أنه قدر مضافا في الكلام وكلاهما لا مانع منه .

وبقي ما لو نذر يوما من أيام الدجال هل يخرج من عهدة النذر بأن يقدر له يوما من الأيام التي قبل خروجه كمائة درجة لقوله في الحديث { اقدروا له قدره } أو يحمل على اليوم الحقيقي من أيامه ويخرج من العهدة ولو بآخر يوم من أيامه ؟ فيه نظر ، والأقرب الأول ( قوله : وهذا هو المعتمد ) ولو نذر أياما كعشرة وجعل مبدأها من وقت النذر كأن قال أعتكف عشرة أيام من هذا الوقت كمل مما انكسر من الحادي عشر ، كما لو أسلم في أثناء يوم في نحو بر وأجل بمدة كشهر فإنه يحسب المنكسر ويكمل مما يلي انتهاء الثلاثين مما بعده وهو الحادي والثلاثون ، ويفرق بين هذا وبين ما لو نذر اعتكاف يوم قدوم زيد وقدم نهارا حيث كفاه اعتكاف بقية يومه بأن ما فات قبل قدوم زيد لم يتعلق به وجوب أصلا ، وما هنا تعلق بنذره بما يسمى أياما ولا يتحقق ذلك إلا بإتمام الكسر ( قوله وإن ذهب أبو إسحاق ) أي المروزي



حاشية المغربي

[ ص: 226 ] فصل ) في حكم الاعتكاف المنذور ( قوله ليوافق ما تقرر إلخ ) هذا من جانب المخالف ( قوله : ولا يلزم من إيجاب الجنس بنية التتابع ) انظر ما معنى هذا التعبير ، وكان الظاهر أن يقول : ولا يلزم من إيجاب الجنس بالنية إيجاب غيره بها [ ص: 227 ] قوله : وقول الغزالي لو نوى أياما معينة ) أي كأن قال سبعة أثانين مثلا ، كما يؤخذ من قوله معينة ومن قول الإسنوي في تأييده : وهو متعين لتعين زمن الاعتكاف بالتعيين ا هـ .

وحينئذ فالاعتراض على الغزالي إنما هو في كون النية بمجردها تكفي في ذلك ، أما لو تلفظ بذلك فظاهر أنه يلزم فليراجع



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث