الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

( واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين )

قوله تعالى :( واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين ) في الآية مسائل :

المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما قال :( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ) اعلم أن قارئا يقرأ القرآن بصوت عال حتى يمكنهم استماع القرآن ، ومعلوم أن ذلك القارئ ليس إلا الرسول عليه السلام ، فكانت هذه الآية جارية مجرى أمر الله محمدا صلى الله عليه وسلم بأن يقرأ القرآن على القوم بصوت عال رفيع ، وإنما أمره بذلك ليحصل المقصود من تبليغ الوحي والرسالة .

ثم إنه تعالى أردف ذلك الأمر ، بأن أمره في هذه الآية بأن يذكر ربه في نفسه ، والفائدة فيه : أن انتفاع الإنسان بالذكر إنما يكمل إذا وقع الذكر بهذه الصفة ، لأنه بهذا الشرط أقرب إلى الإخلاص والتضرع .

المسألة الثانية : أنه تعالى أمر رسوله بالذكر مقيدا بقيود :

القيد الأول :( واذكر ربك في نفسك ) والمراد بذكر الله في نفسه كونه عارفا بمعاني الأذكار التي يقولها بلسانه مستحضرا لصفات الكمال والعز والعلو والجلال والعظمة ، وذلك لأن الذكر باللسان إذا كان عاريا عن الذكر بالقلب كان عديم الفائدة ، ألا ترى أن الفقهاء أجمعوا على أن الرجل إذا قال : بعت واشتريت مع أنه لا يعرف معاني هذه الألفاظ ولا يفهم منها شيئا ، فإنه لا ينعقد البيع والشراء ، فكذا ههنا ، ويتفرع على ما ذكرنا أحكام :

الحكم الأول

سمعت أن بعض الأكابر من أصحاب القلوب كان إذا أراد أن يأمر واحدا من المريدين بالخلوة والذكر أمره بالخلوة والتصفية أربعين يوما ، ثم عند استكمال هذه المدة وحصول التصفية التامة ، يقرأ عليه الأسماء التسعة والتسعين ، ويقول لذلك المريد اعتبر حال قلبك عند سماع هذه الأسماء ، فكل اسم وجدت قلبك عند سماعه قوي تأثره وعظم شوقه ، فاعرف أن الله إنما يفتح أبواب المكاشفات عليك بواسطة المواظبة على ذكر ذلك الاسم بعينه ، وهذا طريق حسن لطيف في هذا الباب .

الحكم الثاني

قال المتكلمون : هذه الآية تدل على إثبات كلام النفس لأنه تعالى لما أمر رسوله بأن يذكر ربه في نفسه وجب الاعتراف بحصول الذكر النفساني ولا معنى لكلام النفس إلا ذلك .

[ ص: 87 ] فإن قالوا : لم لا يجوز أن يكون المراد من الذكر النفساني العلم والمعرفة ؟ .

قلنا : هذا باطل لأن الإنسان لا قدرة له على تحصيل العلم بالشيء ابتداء لأنه إما أن يطلبه حال حصوله أو حال عدم حصوله ، والأول باطل لأنه يقتضي تحصيل الحاصل وهو محال ، والثاني باطل لأن ما لا يكون متصورا كان الذهن غافلا عنه ، والغافل عن الشيء يمتنع كونه طالبا له ، فثبت أنه لا قدرة للإنسان على تحصيل التصورات ، فامتنع ورود الأمر به ، والآية دالة على ورود الأمر بالذكر النفساني ، فوجب أن يكون الذكر النفساني معنى مغايرا للمعرفة والعلم والتصور ، وذلك هو المطلوب .

الحكم الثالث

أنه تعالى قال :( واذكر ربك في نفسك ) ولم يقل : واذكر إلهك ولا سائر الأسماء ، وإنما سماه في هذا المقام باسم كونه ربا وأضاف نفسه إليه ، وكل ذلك يدل على نهاية الرحمة والتقريب والفضل والإحسان ، والمقصود منه أن يصير العبد فرحا عند سماع هذا الاسم ، لأن لفظ الرب مشعر بالتربية والفضل ، وعند سماع هذا الاسم يتذكر العبد أقسام نعم الله عليه ، وبالحقيقة لا يصل عقله إلى أقل أقسامها ، كما قال تعالى :( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ) [إبراهيم : 34 ، والنحل : 18] فعند انكشاف هذا المقام في القلب يقوى الرجاء ، فإذا سمع بعد ذلك قوله :( تضرعا وخيفة ) عظم الخوف ، وحينئذ تحصل في القلب موجبات الرجاء وموجبات الخوف ، وعنده يكمل الإيمان على ما قال عليه السلام : " لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا " إلا أن ههنا دقيقة ، وهي أن سماع لفظ الرب يوجب الرجاء ، وسماع لفظ التضرع والخيفة يوجب الخوف ، فلما وقع الابتداء بما يوجب الرجاء علمنا أن جانب الرجاء أقوى .

القيد الثاني من القيود المعتبرة في الذكر : حصول التضرع ، وإليه الإشارة بقوله تعالى :( تضرعا ) وهذا القيد معتبر ويدل عليه القرآن والمعقول . أما القرآن فقوله في سورة الأنعام :( قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية ) [الأنعام : 63] ، وأما المعقول : فلأن كمال حال الإنسان إنما يحصل بانكشاف أمرين :

أحدهما : عزة الربوبية ، وهذا المقصود إنما يتم بقوله :( واذكر ربك في نفسك ) .

الثاني : بمشاهدة ذلة العبودية ، وذلك إنما يكمل بقوله :( تضرعا ) فالانتقال من الذكر إلى التضرع يشبه النزول من المعراج ، والانتقال من التضرع إلى الذكر يشبه الصعود ، وبهما يتم معراج الأرواح القدسية ، وههنا بحث وهو أن معرفة الله من لوازمها التضرع والخوف ، والذكر القلبي يمتنع انفكاكه عن التضرع والخوف ، فما الفائدة في اعتبار هذا التضرع والخوف ؟ وأجيب عنه بأن المعرفة لا يلزمها التضرع والخوف على الإطلاق ، لأنه ربما استحكم في عقل الإنسان أنه تعالى لا يعاقب أحدا ؛ لأن ذلك العقاب إيذاء للغير ، ولا فائدة للحق فيه ، وإذا كان كذلك لا يعذب ، فإذا اعتقد هذا لم يكمل التضرع والخوف؛ فلهذا السبب نص الله تعالى على أنه لا بد منه .

وأجيب عنه بأن الخوف على قسمين :

الأول : خوف العقاب ، وهو مقام المبتدئين .

والثاني : خوف الجلال وهو مقام المحققين ، وهذا الخوف ممتنع الزوال ، وكل من كان أعرف بجلال الله كان هذا الخوف في قلبه أكمل ، وأجيب عن هذا الجواب بأن لأصحاب المكاشفات مقامين : مكاشفة الجمال ، ومكاشفة الجلال ، فإذا كوشفوا بالجمال عاشوا ، وإذا كوشفوا بالجلال طاشوا ، ولا بد في مقام الذكر من رعاية الجانبين .

[ ص: 88 ] القيد الثالث : قوله :( وخيفة ) وفي قراءة أخرى : ( وخفية ) وقال الزجاج : أصلها "خوفة" فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها ، أقول هذا الخوف يقع على وجوه :

أحدها : خوف التقصير في الأعمال .

وثانيها : خوف الخاتمة ، والمحققون خوفهم من السابقة ، لأنه إنما يظهر في الخاتمة ما سبق الحكم به في الفاتحة ، ولذلك كان عليه السلام يقول : "جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة" .

وثالثها : خوف أني كيف أقابل نعمة الله التي لا حصر لها ولا حد بطاعاتي الناقصة وأذكاري القاصرة ؟ وكان الشيخ أبو بكر الواسطي يقول : الشكر شرك ، فسألوني عن هذه الكلمة فقلت : لعل المراد والله أعلم أن من حاول مقابلة وجوه إحسان الله بشكره فقد أشرك؛ لأن على هذا التقدير يصير كأن العبد يقول : منك النعمة ومني الشكر ، ولا شك أن هذا شرك ، فأما إذا أتى بالشكر مع خوف التقصير ومع الاعتراف بالذل والخضوع فهناك يشم فيه رائحة العبودية .

وأما القراءة الثانية : وهو قوله : ( وخفية ) فالإخفاء في حق المبتدين يراد لصون الطاعات عن شوائب الرياء والسمعة ، وفي حق المنتهين المقربين منشؤه الغيرة ، وذلك لأن المحبة إذا استكملت أوجبت الغيرة ، فإذا كمل هذا التوغل وحصل الفناء ، وقع الذكر في حين الإخفاء بناء على قوله عليه السلام : " من عرف الله كل لسانه " .

القيد الرابع : قوله :( ودون الجهر من القول ) والمراد منه أن يقع ذلك الذكر بحيث يكون متوسطا بين الجهر والمخافتة كما قال تعالى :( ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا ) [الإسراء : 110] وقال عن زكريا عليه السلام :( إذ نادى ربه نداء خفيا ) [مريم : 3] قال ابن عباس : وتفسير قوله :( ودون الجهر من القول ) المعنى أن يذكر ربه على وجه يسمع نفسه ، فإن المراد حصول الذكر اللساني ، والذكر اللساني إذا كان بحيث يسمع نفسه فإنه يتأثر الخيال من ذلك الذكر ، وتأثر الخيال يوجب قوة في الذكر القلبي الروحاني ، ولا يزال يتقوى كل واحد من هذه الأركان الثلاثة ، وتنعكس أنوار هذه الأذكار من بعضها إلى بعض ، وتصير هذه الانعكاسات سببا لمزيد القوة والجلاء والانكشاف والترقي من حضيض ظلمات عالم الأجسام إلى أنوار مدبر النور والظلام .



التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث