الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما "

[ القول في تأويل قوله تعالى : ( قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون ( 37 ) )

قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ( قال ) يوسف للفتيين اللذين استعبراه الرؤيا : ( لا يأتيكما ) ، أيها الفتيان في منامكما ( طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله ) ، في يقظتكما ( قبل أن يأتيكما ) .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك : [ ص: 101 ]

19284 - حدثنا ابن وكيع ، قال : حدثنا عمرو ، عن أسباط ، عن السدي ، قال : قال يوسف لهما : ( لا يأتيكما طعام ترزقانه ) ، في النوم ( إلا نبأتكما بتأويله ) ، في اليقظة .

19285 - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : قال يوسف لهما : ( لا يأتيكما طعام ترزقانه ) ، يقول : في نومكما ( إلا نبأتكما بتأويله ) .

ويعني بقوله ( بتأويله ) : ما يؤول إليه ويصير ما رأيا في منامهما من الطعام الذي رأيا أنه أتاهما فيه .

وقوله : ( ذلكما مما علمني ربي ) ، يقول : هذا الذي أذكر أني أعلمه من تعبير الرؤيا ، مما علمني ربي فعلمته ( إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله ) وجاء الخبر مبتدأ ، أي : تركت ملة قوم ، والمعنى : ما ملت ، وإنما ابتدأ بذلك ، لأن في الابتداء الدليل على معناه .

وقوله : ( إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله ) ، يقول : إني برئت من ملة من لا يصدق بالله ، ويقر بوحدانيته ( وهم بالآخرة هم كافرون ) ، يقول : وهم مع تركهم الإيمان بوحدانية الله ، لا يقرون بالمعاد والبعث ، ولا بثواب ولا عقاب .

وكررت " هم " مرتين ، فقيل : ( وهم بالآخرة هم كافرون ) ، لما دخل بينهما قوله : ( بالآخرة ) ، فصارت " هم " الأولى كالملغاة ، وصار الاعتماد على الثانية ، كما قيل : ( وهم بالآخرة هم يوقنون ) [ سورة النمل : 2 - سورة لقمان : 4 ] ، وكما قيل : ( أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون ) [ سورة المؤمنون : 35 ] [ ص: 102 ]

فإن قال قائل : ما وجه هذا الخبر ومعناه من يوسف؟ وأين جوابه الفتيين عما سألاه من تعبير رؤياهما ، من هذا الكلام؟

قيل له : إن يوسف كره أن يجيبهما عن تأويل رؤياهما ، لما علم من مكروه ذلك على أحدهما ، فأعرض عن ذكره ، وأخذ في غيره ، ليعرضا عن مسألته الجواب عما سألاه من ذلك .

وبنحو ذلك قال أهل العلم .

ذكر من قال ذلك :

19286 - حدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، في قوله : ( إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله ) . ، قال : فكره العبارة لهما ، وأخبرهما بشيء لم يسألاه عنه ليريهما أن عنده علما . وكان الملك إذا أراد قتل إنسان ، صنع له طعاما معلوما ، فأرسل به إليه ، فقال يوسف : ( لا يأتيكما طعام ترزقانه ) ، إلى قوله : ( تشكرون ) . ، فلم يدعاه ، فعدل بهما ، وكره العبارة لهما . فلم يدعاه حتى يعبر لهما ، فعدل بهما وقال : ( يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ) ، إلى قوله : ( يعلمون ) ، فلم يدعاه حتى عبر لهما ، فقال : ( يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه ) . قالا ما رأينا شيئا ، إنما كنا نلعب ! قال : ( قضي الأمر الذي فيه تستفتيان ) .

قال أبو جعفر : وعلى هذا التأويل الذي تأوله ابن جريج ، فقوله : ( لا يأتيكما طعام ترزقانه ) ، في اليقظة لا في النوم . وإنما أعلمهما على هذا القول أن عنده علم ما يؤول إليه أمر الطعام الذي يأتيهما من عند الملك ومن عند غيره ، لأنه قد علم النوع الذي إذا أتاهما كان علامة لقتل من أتاه ذلك منهما ، والنوع الذي إذا أتاه كان علامة لغير ذلك ، فأخبرهما أنه عنده علم ذلك .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث