الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قوله تعالى : وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون .

أخرج مسلم ، وابن المنذر ، وابن مردويه ، عن ابن عباس قال : مطر الناس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر، قالوا : هذه رحمة وضعها الله، وقال بعضهم : لقد صدق نوء كذا وكذا» فنزلت هذه الآية : فلا أقسم بمواقع النجوم حتى بلغ [ ص: 225 ] وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون .

وأخرج أبو عبيد في «فضائله» وسعيد بن منصور ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن مردويه ، عن ابن عباس أنه كان يقرأ : (وتجعلون شكركم أنكم تكذبون) قال : يعني الأنواء، وما مطر قوم إلا أصبح بعضهم كافرا، وكانوا يقولون : مطرنا بنوء كذا وكذا، فأنزل الله تعالى : وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون .

وأخرج ابن مردويه ، عن ابن عباس في قوله : وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون قال : بلغنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سافر في حر شديد، فنزل الناس على غير ماء فعطشوا، فاستسقي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال لهم : «فلعلي لو فعلت فسقيتم قلتم : هذا بنوء كذا وكذا»! قالوا : يا نبي الله، ما هذا بحين أنواء، فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بماء فتوضأ، ثم قام فصلى فدعا الله، فهاجت ريح، وثاب سحاب، فمطروا حتى سال كل واد، فزعموا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر برجل يغترف بقدحه وهو ويقول : هذا بنوء فلان، فنزل : وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون .

وأخرج ابن أبي حاتم ، عن أبي حزرة قال : نزلت هذه الآية في رجل من الأنصار في غزوة تبوك، ونزلوا الحجر، فأمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألا يحملوا من مائها شيئا، ثم ارتحل، ثم نزل منزلا آخر وليس معهم ماء، فشكوا ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقام يصلي ركعتين، ثم دعا، فأرسل الله سحابة، فأمطرت عليهم حتى استقوا منها، فقال رجل من الأنصار لآخر من قومه يتهم بالنفاق : ويحك، قد ترى ما دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - فأمطر الله علينا السماء! فقال : إنما مطرنا بنوء كذا وكذا، فأنزل الله : وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون .

وأخرج أحمد ، وابن منيع، وعبد بن حميد ، والترمذي وحسنه، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والخرائطي في «مساوئ الأخلاق»، وابن مردويه ، والضياء في «المختارة» عن علي، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله : وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون قال : «شكركم، تقولون : مطرنا بنوء كذا وكذا، وبنجم كذا وكذا» .

[ ص: 227 ] وأخرج ابن جرير ، عن أبي أمامة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : «ما مطر قوم من ليلة إلا أصبح قوم بها كافرين» ثم قال : وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون يقول قائل : مطرنا بنجم كذا وكذا .

وأخرج ابن عساكر في «تاريخه» عن عائشة قالت : ما فسر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من القرآن إلا آيات يسيرة، قوله : وتجعلون رزقكم قال : «شكركم» .

وأخرج ابن مردويه ، عن علي، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – قرأ : (وتجعلون شكركم) .

وأخرج ابن مردويه ، عن أبي عبد الرحمن السلمي قال : قرأ علي «الواقعة» [ ص: 228 ] في الفجر، فقال : (وتجعلون شكركم أنكم تكذبون) فلما انصرف قال : قد عرفت أنه سيقول قائل : لم قرأها هكذا؟ إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرؤها كذلك، كانوا إذا مطروا قالوا : مطرنا بنوء كذا وكذا، فأنزل الله : (وتجعلون شكركم أنكم إذا مطرتم تكذبون) .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن جرير ، عن أبي عبد الرحمن قال : كان علي يقرأ : (وتجعلون شكركم أنكم تكذبون) .

وأخرج عبد بن حميد ، عن قتادة : وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون قال : أما الحسن فقال : بئس ما أخذ القوم لأنفسهم، لم يرزقوا من كتاب الله إلا التكذيب . قال : وذكر لنا أن الناس أمحلوا على عهد نبي الله - صلى الله عليه وسلم – فقالوا : يا نبي الله : لو استسقيت لنا؟ فقال : «عسى قوم إن سقوا أن يقولوا : سقينا بنوء كذا وكذا» فاستسقى لهم نبي الله - صلى الله عليه وسلم – فمطروا، فقال رجل : إنه قد كان بقي من الأنواء كذا وكذا، فأنزل الله : وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن جرير ، عن مجاهد : وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون قال : قولهم في الأنواء : مطرنا بنوء كذا وكذا، فيقول : قولوا : هو من عند الله وهو رزقه .

[ ص: 229 ] وأخرج عبد بن حميد ، عن ابن عباس : وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون قال : الاستسقاء بالأنواء .

وأخرج عبد بن حميد ، عن عوف، عن الحسن في قوله : وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون قال : تجعلون حظكم منه أنكم تكذبون، قال عوف : وبلغني أن مشركي العرب كانوا إذا مطروا في الجاهلية قالوا : مطرنا بنوء كذا وكذا .

وأخرج عبد الرزاق ، وعبد بن حميد ، والبخاري ، ومسلم ، والدارمي ، والنسائي ، وأبو يعلى، وابن حبان ، عن أبي سعيد الخدري قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «لو أمسك الله المطر عن الناس سبع سنين ثم أرسله، لأصبحت طائفة كافرين؛ قالوا : هذا بنوء المجدح» يعني الدبران .

وأخرج مالك، وعبد الرزاق ، وعبد بن حميد ، والبخاري ، ومسلم وأبو داود ، والنسائي ، والبيهقي في «الأسماء والصفات» عن زيد بن خالد الجهني قال : صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم – صلاة الصبح زمان الحديبية في إثر سماء [ ص: 230 ] فلما سلم أقبل علينا فقال : «ألم تسمعوا ما قال ربكم في هذه الليلة : ما أنعمت على عبادي نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين، فأما من آمن بي وحمدني على سقياي، فذلك الذي آمن بي وكفر بالكوكب، وأما من قال : مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك الذي آمن بالكوكب وكفر بي» .

وأخرج عبد بن حميد ، عن ابن عباس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال يوما لأصحابه : «هل تدرون ماذا قال ربكم»؟ قالوا : الله ورسوله أعلم، قال : «إنه يقول : إن الذين يقولون : نسقى بنجم كذا وكذا فقد كفر بالله وآمن بذلك النجم، والذين يقولون : سقانا الله فقد آمن بالله وكفر بذلك النجم» .

وأخرج عبد بن حميد ، عن عبد الله بن محيريز، أن سليمان بن عبد الملك دعاه فقال : لو تعلمت علم النجوم فازددت إلى علمك، فقال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «إن أخوف ما أخاف على أمتي ثلاث؛ حيف الأئمة، وتكذيب بالقدر، وإيمان بالنجوم» .

وأخرج عبد بن حميد ، عن رجاء بن حيوة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : «مما أخاف على أمتي التصديق بالنجوم، والتكذيب بالقدر، وظلم الأئمة» .

[ ص: 231 ] وأخرج عبد بن حميد ، وابن جرير ، عن جابر السوائي قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : أخاف على أمتي ثلاثا؛ استسقاء بالأنواء، وحيف السلطان، وتكذيبا بالقدر» .

وأخرج أحمد ، عن معاوية الليثي قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «يكون الناس مجدبين، فينزل الله عليهم رزقا من رزقه، فيصبحون مشركين» قيل له : كيف ذاك يا رسول الله؟ قال : «يقولون : مطرنا بنوء كذا وكذا» .

وأخرج ابن جرير ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : «إن الله ليصبح القوم بالنعمة، أو يمسيهم بها، فيصبح بها قوم كافرين؛ يقولون : مطرنا بنوء كذا وكذا» .

وأخرج ابن جرير ، عن ابن عباس في قوله : (وتجعلون شكركم) يقول : على ما أنزلت عليكم من الغيث والرحمة؛ يقولون : مطرنا بنوء كذا وكذا، وكان ذلك منهم كفرا بما أنعم الله عليهم .

وأخرج ابن جرير ، عن ابن عباس قال : ما مطر قوم إلا أصبح بعضهم كافرا؛ يقولون : مطرنا بنوء كذا وكذا، وقرأ ابن عباس : (وتجعلون شكركم أنكم تكذبون) .

[ ص: 232 ] وأخرج ابن جرير ، عن عطاء الخراساني في قوله : وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون قال : كان ناس يمطرون فيقولون : مطرنا بنوء كذا وكذا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث