الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            باب ما جاء في اليمين الغموس ولغو اليمين 3832 - ( عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { خمس ليس لهن كفارة : الشرك بالله ، وقتل النفس بغير حق وبهت مؤمن ، والفرار يوم الزحف ، ويمين صابرة يقتطع بها مالا بغير حق } ) .

                                                                                                                                            3833 - ( وعن ابن عمر { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل : فعلت كذا ؟ قال : [ ص: 270 ] لا والذي لا إله إلا هو ما فعلت ، قال : فقال جبريل عليه السلام : قد فعل ، ولكن الله عز وجل غفر له بقوله : لا والذي لا إله إلا هو } ) .

                                                                                                                                            3834 - ( وعن ابن عباس قال : { اختصم إلى النبي صلى الله عليه وسلم رجلان فوقعت اليمين على أحدهما ، فحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما له عنده شيء ، قال : فنزل جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إنه كاذب إن له عنده حقه ، فأمره أن يعطيه حقه ، وكفارة يمينه معرفته أن لا إله إلا الله أو شهادته } رواهن أحمد . ولأبي داود الثالث بنحوه ) .

                                                                                                                                            3835 - ( وعن { عائشة قالت : أنزلت هذه الآية { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } في قول الرجل : لا والله ، وبلى والله } أخرجه البخاري )

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            حديث أبي هريرة أخرجه أيضا أبو الشيخ ، وشهد له ما أخرجه البخاري من حديث ابن عمرو قال : { جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ما الكبائر ؟ } فذكر الحديث ، وفيه { اليمين الغموس } وفيه قلت : { وما اليمين الغموس ؟ قال : الذي يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها كاذب } .

                                                                                                                                            وحديث ابن عباس أخرجه أيضا النسائي ، وفي إسناده عطاء بن السائب ، وقد تكلم فيه غير واحد وأخرج له البخاري حديثا مقرونا بابن بشر قوله : ( ليس لهم كفارة ) أي لا يمحو الإثم الحاصل بسببهن شيء من الطاعات أما الشرك بالله فلقوله تعالى : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } وأما قتل النفس فعلى الخلاف في قبول توبة التائب عنه ، وقد تقدم الكلام فيه

                                                                                                                                            والمراد ببهت المؤمن : أن يغتابه بما ليس فيه ، واليمين الصابرة : أي التي ألزم بها وصبر عليها وكانت لازمة لصاحبها من جهة الحكم ، والظاهر أن هذه الأمور لا كفارة لها إلا التوبة منها ، ولا توبة في مثل القتل إلا بتسليم النفس للقود قوله : ( وكفارة يمينه . . . إلخ ) هذا يعارض حديث أبي هريرة لأنه قد نفى الكفارة عن الخمس التي من جملتها اليمين الفاجرة في اقتطاع حق ، وهذا أثبت له كفارة ، وهي التكلم بكلمة الشهادة ومعرفته لها

                                                                                                                                            ويجمع بينهما بأن النفي عام والإثبات خاص قوله : ( باللغو ) الآية . قال الراغب : هو في الأصل ما لا يعتد به من الكلام والمراد به في الأيمان ما يورد عن غير روية فيجري مجرى اللغا وهو صوت العصافير قوله : ( لا والله ) أخرجه أبو داود عنها مرفوعا بلفظ " قالت [ ص: 271 ] عائشة : { إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : هو كلام الرجل في بيته كلا والله ، وبلى والله } وأخرجه أيضا البيهقي وابن حبان ، وصحح الدارقطني الوقف . ورواه البخاري والشافعي ومالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة موقوفا . ورواه الشافعي من حديث عطاء أيضا موقوفا . قال أبو داود : ورواه غير واحد عن عطاء عن عائشة موقوفا وأخرج الطبري من طريق الحسن البصري مرفوعا في قصة الرماة ، وكان أحدهم إذا رمى حلف أنه أصاب فيظهر أنه أخطأ ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : { أيمان الرماة لغو لا كفارة لها ولا عقوبة } . قال الحافظ : وهذا لا يثبت لأنهم كانوا لا يعتمدون مراسيل الحسن لأنه كان يأخذ عن كل أحد ، وقد تمسك بتفسير عائشة المذكور في الباب الشافعي وقال : إنها قد جزمت بأن الآية نزلت في قول الرجل : لا والله ، وبلى والله ، وهي قد شهدت التنزيل

                                                                                                                                            وذهبت الحنفية والهادوية إلى أن لغو اليمين أن يحلف على الشيء يظنه ثم يظهر خلافه ، وبه قال ربيعة ومالك ومكحول والأوزاعي والليث . وعن أحمد روايتان . قال في الفتح : ونقل ابن المنذر وغيره عن ابن عمر وابن عباس وغيرهما من الصحابة

                                                                                                                                            وعن القاسم وعطاء والشعبي وطاووس والحسن نحو ما دل عليه حديث عائشة عن أبي قلابة : لا والله ، وبلى والله لغة من لغات العرب لا يراد بها اليمين وهي من صلة الكلام ونقل إسماعيل القاضي عن طاوس أن لغو اليمين أن يحلف وهو غضبان ، ونقل أقوالا أخر عن بعض التابعين . وجملة ما يتحصل من ذلك ثمانية أقوال من جملتها قول إبراهيم النخعي : إن اللغو هو أن يحلف على الشيء لا يفعله ثم ينسى فيفعله ، أخرجه الطبري وأخرج عبد الرزاق

                                                                                                                                            عن الحسن مثله . وعنه هو كقول الرجل : والله إنه لكذا وهو يظن أنه صادق ولا يكون كذلك وأخرج الطبري من طريق طاوس عن ابن عباس أن يحلف وهو غضبان . وعن طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس أن يحرم ما أحل الله له . وقيل هو أن يدعو على نفسه إن فعل كذا ثم يفعله وهذا هو يمين المعصية .

                                                                                                                                            قال ابن العربي : القول بأن لغو اليمين هو المعصية باطل ; لأن الحالف على ترك المعصية ينعقد يمينه ، ويقال له لا تفعل وكفر عن يمينك ، فإن خالف وأقدم على الفعل أثم وبر في يمينه . قال : ومن قال : إنها يمين الغضب يرده ما ثبت في الأحاديث ، يعني المذكورة في الباب ، ومن قال دعاء الإنسان على نفسه إن فعل أو لم يفعل فاللغو إنما هو في طريق الكفارة وهي تنعقد

                                                                                                                                            وقد يؤاخذ بها لثبوت النهي عن دعاء الإنسان على نفسه ، ومن قال : إنها اليمين التي تكفر فلا متعلق له ، فإن الله تعالى رفع المؤاخذة عن اللغو مطلقا فلا إثم فيه ولا كفارة فكيف يفسر اللغو بما فيه الكفارة وثبوت الكفارة يقتضي وجود المؤاخذة وقد أخرج ابن أبي عاصم من [ ص: 272 ] طريق الزبيدي وابن وهب في جامعه عن يونس وعبد الرزاق في مصنفه عن معمر كلهم عن الزهري عن عروة عن عائشة " لغو اليمين ما كان في المراء والهزل أو المراجعة في الحديث الذي لا يعقد عليه القلب " وهذا موقوف

                                                                                                                                            ورواية يونس تقارب الزبيدي ، ولفظ معمر " إنه القوم يتدارءون يقول أحدهم " لا والله وبلى والله ، وكلا والله ولا يقصد الحلف " وليس مخالفا للأول وأخرج ابن وهب عن الثقة عن الزهري بهذا السند " هو الذي يحلف على الشيء لا يريد به إلا الصدق فيكون على غير ما حلف عليه " وهذا يوافق القول الثاني لكنه ضعيف من أجل هذا المبهم شاذ لمخالفته من هو أوثق منه وأكثر عددا

                                                                                                                                            والحاصل في المسألة أن القرآن الكريم قد دل على عدم المؤاخذة في يمين اللغو . وذلك يعم الإثم والكفارة فلا يجب أيهما . والمتوجه الرجوع في معرفة معنى اللغو إلى اللغة العربية ، وأهل عصره صلى الله عليه وسلم أعرف الناس بمعاني كتاب الله تعالى لأنهم مع كونهم من أهل اللغة قد كانوا من أهل الشرع ومن المشاهدين للرسول صلى الله عليه وسلم والحاضرين في أيام النزول ، فإذا صح عن أحدهم تفسير لم يعارضه ما يرجح عليه أو يساويه وجب الرجوع إليه وإن لم يوافق ما نقله أئمة اللغة في معنى ذلك اللفظ لأنه يمكن أن يكون المعنى الذي نقله إليه شرعيا لا لغويا ، والشرعي مقدم على اللغوي كما تقرر في الأصول ، فكان الحق فيما نحن بصدده هو أن اللغو ما قالته عائشة رضي الله عنها

                                                                                                                                            وفي حديث الباب تعرض لذكر بعض الكبائر ، والكلام في شأنها طويل الذيول لا يتسع لبسطه إلا مؤلف حافل وقد ألف ابن حجر في ذلك مجلدا ضخما سماه ( الزواجر في الكبائر ) فمن رام الاستقصاء رجع إليه ، وأما حصرها في عدد معين فليس ذلك إلا باعتبار الاستقراء لا باعتبار الواقع . فمن جعل عددها أوسع فلكثرة ما استقرأه منها .




                                                                                                                                            الخدمات العلمية