الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون "

القول في تأويل قوله تعالى : ( ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون ( 49 ) )

قال أبو جعفر : وهذا خبر من يوسف عليه السلام للقوم عما لم يكن في رؤيا ملكهم ، ولكنه من علم الغيب الذي آتاه الله دلالة على نبوته وحجة على صدقه ، كما : -

19377 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال : حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة قال : ثم زاده الله علم سنة لم يسألوه عنها ، فقال : ( ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون ) .

ويعني بقوله : ( فيه يغاث الناس ) ، بالمطر والغيث .

وبنحو ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك : [ ص: 129 ]

19378 - حدثنا بشر قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : ( ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس ) ، قال : فيه يغاثون بالمطر .

19379 - حدثنا الحسن بن محمد قال : حدثنا محمد بن يزيد الواسطي ، عن جويبر ، عن الضحاك : ( فيه يغاث الناس ) ، قال : بالمطر .

19380 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال ، قال ابن عباس : ( ثم يأتي من بعد ذلك عام ) ، قال : أخبرهم بشيء لم يسألوه عنه ، وكان الله قد علمه إياه ، ( عام فيه يغاث الناس ) ، بالمطر .

19381 - حدثني المثنى قال : حدثنا أبو حذيفة قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ( فيه يغاث الناس ) ، بالمطر .

وأما قوله : ( وفيه يعصرون ) ، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله .

فقال بعضهم : معناه : وفيه يعصرون العنب والسمسم وما أشبه ذلك .

ذكر من قال ذلك :

19382 - حدثني المثنى قال : حدثنا عبد الله قال ، حدثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس : ( وفيه يعصرون ) ، قال : الأعناب والدهن .

19383 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال قال ابن عباس : ( وفيه يعصرون ) ، السمسم دهنا ، والعنب خمرا ، والزيتون زيتا .

19384 - حدثني محمد بن سعد قال : حدثني أبي قال : حدثني عمي قال : حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله : ( عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون ) ، يقول : يصيبهم غيث ، فيعصرون فيه العنب ، ويعصرون فيه الزيت ، ويعصرون من كل الثمرات .

19385 - حدثني المثنى قال : حدثنا أبو حذيفة قال : حدثنا شبل ، عن [ ص: 130 ] ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ( وفيه يعصرون ) ، قال : يعصرون أعنابهم .

19386 - حدثنا ابن وكيع قال : حدثنا عمرو بن محمد ، عن أسباط ، عن السدي : ( وفيه يعصرون ) ، قال : العنب .

19387 - حدثنا الحسن بن محمد قال : حدثنا محمد بن يزيد الواسطي ، عن جويبر ، عن الضحاك : ( وفيه يعصرون ) ، قال : الزيت .

19388 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال : حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن قتادة : " وفيه يعصرون " قال : كانوا يعصرون الأعناب والثمرات .

19389 - حدثنا بشر قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة : ( وفيه يعصرون ) ، قال : يعصرون الأعناب والزيتون والثمار من الخصب . هذا علم آتاه الله يوسف لم يسأل عنه .

وقال آخرون : معنى قوله : ( وفيه يعصرون ) ، وفيه يحلبون .

ذكر من قال ذلك :

19390 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثني فضالة ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( وفيه يعصرون ) ، قال : فيه يحلبون .

19391 - حدثني المثنى قال : أخبرنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الرحمن بن أبي حماد قال : حدثنا الفرج بن فضالة ، عن علي بن أبي طلحة قال : كان ابن عباس يقرأ : " وفيه تعصرون " بالتاء ، يعني : تحتلبون .

واختلفت القرأة في قراءة ذلك .

فقرأه بعض قرأة أهل المدينة والبصرة والكوفة : ( وفيه يعصرون ) ، بالياء ، بمعنى ما وصفت ، من قول من قال : عصر الأعناب والأدهان .

وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين : " وفيه تعصرون " ، بالتاء . [ ص: 131 ]

وقرأ بعضهم : " وفيه يعصرون " ، بمعنى : يمطرون .

وهذه قراءة لا أستجيز القراءة بها ، لخلافها ما عليه قرأة الأمصار .

قال أبو جعفر : والصواب من القراءة في ذلك أن لقارئه الخيار في قراءته بأي القراءتين الأخريين شاء ، إن شاء بالياء ، ردا على الخبر به عن " الناس " ، على معنى : فيه يغاث الناس وفيه يعصرون أعنابهم وأدهانهم وإن شاء بالتاء ، ردا على قوله : ( إلا قليلا مما تحصنون ) ، وخطابا به لمن خاطبه بقوله : ( يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون ) لأنهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار باتفاق المعنى ، وإن اختلفت الألفاظ بهما . وذلك أن المخاطبين بذلك كان لا شك أنهم إذا أغيثوا وعصروا ، أغيث الناس الذين كانوا بناحيتهم وعصروا . وكذلك كانوا إذا أغيث الناس بناحيتهم وعصروا ، أغيث المخاطبون وعصروا ، فهما متفقتا المعنى ، وإن اختلفت الألفاظ بقراءة ذلك .

وكان بعض من لا علم له بأقوال السلف من أهل التأويل ، ممن يفسر القرآن برأيه على مذهب كلام العرب ، يوجه معنى قوله : ( وفيه يعصرون ) إلى : وفيه ينجون من الجدب والقحط بالغيث ، ويزعم أنه من " العصر " و " العصرة " التي بمعنى المنجاة ، من قول أبي زبيد الطائي :


صاديا يستغيث غير مغاث ولقد كان عصرة المنجود

[ ص: 132 ]

أي المقهور . ومن قول لبيد :


فبات وأسرى القوم آخر ليلهم     وما كان وقافا بغير معصر



وذلك تأويل يكفي من الشهادة على خطئه خلافه قول جميع أهل العلم من الصحابة والتابعين .

وأما القول الذي روى الفرج بن فضالة ، عن علي بن أبي طلحة ، فقول لا معنى له ، لأنه خلاف المعروف من كلام العرب ، وخلاف ما يعرف من قول ابن عباس .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث