الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) :

وأما بيان كيفية الأذان فهو على الكيفية المعروفة المتواترة من غير زيادة ولا نقصان عند عامة العلماء ، وزاد بعضهم ، ونقص البعض ، فقال مالك : يختم الأذان بقوله : " الله أكبر " ، اعتبارا للانتهاء بالابتداء .

( ولنا ) حديث عبد الله بن زيد ، وفيه الختم ( بلا إله إلا الله ) وأصل الأذان ثبت بحديثه ، فكذا قدره ، وما يروون فيه من الحديث فهو غريب فلا يقبل خصوصا فيما تعم به البلوى ، والاعتماد في مثله على المشهور وهو ما روينا .

وقال مالك : يكبر في الابتداء مرتين - وهو رواية عن أبي يوسف - اعتبارا بكلمة الشهادتين حيث يؤتى بها مرتين .

( ولنا ) حديث عبد الله بن زيد ، وفيه التكبير أربع مرات بصوتين ، وروي عن أبي محذورة مؤذن مكة أنه قال : علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم الأذان تسعة عشر كلمة ، والإقامة سبعة عشر كلمة ، وإنما يكون كذلك إذا كان التكبير فيه مرتين .

وأما الاعتبار بالشهادتين فنقول : كل تكبيرتين بصوت واحد عندنا ، فكأنهما كلمة واحدة فيأتي بهما مرتين كما يأتي بالشهادتين وقال الشافعي : فيه ترجيع وهو أن يبتدئ المؤذن بالشهادتين فيقول : أشهد أن لا إله إلا الله مرتين ، أشهد أن محمدا رسول الله مرتين ، يخفض بهما صوته ، ثم يرجع إليهما ويرفع بهما صوته .

( واحتج ) بحديث أبي محذورة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : ارجع فمد بهما صوتك .

( ولنا ) حديث عبد الله بن زيد وليس فيه [ ص: 148 ] ترجيع ، وكذا لم يكن في آذان بلال وابن أم مكتوم ترجيع .

( وأما ) حديث { أبي محذورة فقد كان في ابتداء الإسلام ، فإنه روى أنه لما أذن وكان حديث العهد بالإسلام قال : الله أكبر الله أكبر أربع مرات بصوتين ومد صوته ، فلما بلغ إلى الشهادتين خفض بهما صوته ، بعضهم قالوا : إنما فعل ذلك مخافة الكفار ، وبعضهم قالوا : إنه كان جهوري الصوت ، وكان في الجاهلية يجهر بسب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما بلغ إلى الشهادتين استحيا فخفض بهما صوته ، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرك أذنه وقال : ارجع وقل أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا رسول الله ، ومد بهما صوتك غيظا للكفار } .

( وأما ) الإقامة فمثنى مثنى عند عامة العلماء كالأذان ، وعند مالك والشافعي فرادى فرادى إلا قوله : " قد قامت الصلاة " فإنه يقولها مرتين عند الشافعي ، ( واحتجا ) بما روى أنس بن مالك أن بلالا رضي الله عنه أمر أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة ، والظاهر أن الآمر كان رسول الله صلى الله عليه وسلم .

( ولنا ) حديث عبد الله بن زيد أن النازل من السماء أتى بالأذان ومكث هنيهة ثم قال مثل ذلك إلا أنه زاد في آخره مرتين ( قد قامت الصلاة ) ، وروينا في حديث أبي محذورة " والإقامة سبع عشرة كلمة " ، وإنما تكون كذلك إذا كانت مثنى .

وقال إبراهيم النخعي : كان الناس يشفعون الإقامة حتى خرج هؤلاء يعني بني أمية فأفردوا الإقامة ومثله لا يكذب ، وأشار إلى كون الإفراد بدعة ، والحديث محمول على الشفع والإيتار في حق الصوت والنفس دون حقيقة الكلمة ، بدليل ما ذكرنا والله أعلم .

( وأما ) التثويب فالكلام فيه في ثلاثة مواضع : أحدها - في تفسير التثويب في الشرع ، والثاني - في المحل الذي شرع فيه ، والثالث - في وقته ( أما ) الأول - فقد ذكره محمد - رحمه الله تعالى - في كتاب الصلاة ، قلت : أرأيت كيف التثويب في صلاة الفجر ؟ قال : كان التثويب الأول بعد الأذان " الصلاة خير من النوم " فأحدث الناس هذا التثويب وهو حسن ، فسر التثويب ، وبين وقته ، ولم يفسر التثويب المحدث ، ولم يبين وقته ، وفسر ذلك في الجامع الصغير وبين وقته فقال : التثويب الذي يصنعه الناس بين الأذان والإقامة في صلاة الفجر " حي على الصلاة حي على الفلاح " مرتين - حسن ، وإنما سماه محدثا لأنه أحدث في زمن التابعين ، ووصفه بالحسن لأنهم استحسنوه .

وقد قال صلى الله عليه وسلم : { ما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن ، وما رآه المؤمنون قبيحا فهو عند الله قبيح } .

( وأما ) محل التثويب فمحل الأول هو صلاة الفجر عند عامة العلماء ، وقال بعض الناس بالتثويب في صلاة العشاء أيضا ، وهو أحد قولي الشافعي - رحمه الله تعالى - في القديم ، وأنكر التثويب في الجديد رأسا .

( وجه ) قوله الأول أن هذا وقت نوم وغفلة كوقت الفجر فيحتاج إلى زيادة إعلام كما في وقت الفجر .

( وجه ) قوله الآخر أن أبا محذورة علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم الأذان تسع عشرة كلمة وليس فيها التثويب ، وكذا ليس في حديث عبد الله بن زيد ذكر التثويب .

( ولنا ) ما روى عبد الرحمن بن أبي ليلى عن بلال رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { يا بلال ثوب في الفجر ولا تثوب في غيرها } ، فبطل به المذهبان جميعا ، وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه أن { بلالا أتى النبي صلى الله عليه وسلم يؤذنه بالصلاة فوجده راقدا فقال : الصلاة خير من النوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ما أحسن هذا اجعله في أذانك } ، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال : كان التثويب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم " الصلاة خير من النوم " وتعليم النبي صلى الله عليه وسلم أبا محذورة ، وتعليم الملك كان تعليم أصل الأذان لا ما يذكر فيه من زيادة الإعلام ، وما ذكروا من الاعتبار غير سديد ; لأن وقت الفجر وقت نوم وغفلة بخلاف غيره من الأوقات ، مع أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن النوم قبل العشاء ، وعن السمر بعدها ، فالظاهر هو التيقظ .

( وأما ) التثويب المحدث فمحله صلاة الفجر أيضا ، ووقته ما بين الأذان والإقامة ، وتفسيره أن يقول : حي على الصلاة حي على الفلاح على ما بين في الجامع الصغير ، غير أن مشايخنا قالوا : لا بأس بالتثويب المحدث في سائر الصلوات لفرط غلبة الغفلة على الناس في زماننا ، وشدة ركونهم إلى الدنيا ، وتهاونهم بأمور الدين ، فصار سائر الصلوات في زماننا مثل الفجر في زمانهم ، فكان زيادة الإعلام من باب التعاون على البر والتقوى ، فكان مستحسنا ، ولهذا قال أبو يوسف : لا أرى بأسا أن يقول المؤذن : " السلام عليك [ ص: 149 ] أيها الأمير ورحمة الله وبركاته ، حي على الصلاة ، حي على الفلاح ، الصلاة يرحمك الله " ; لاختصاصهم بزيادة شغل بسبب النظر في أمور الرعية ، فاحتاجوا إلى زيادة إعلام نظرا لهم ، ثم التثويب في كل بلدة على ما يتعارفونه : إما بالتنحنح ، أو بقوله : الصلاة الصلاة ، أو قامت قامت ، أو بايك نماز بايك كما يفعل أهل بخارى ; لأنه الإعلام ، والإعلام إنما يحصل بما يتعارفونه .

( وأما ) وقته فقد بينا وقت التثويب القديم والمحدث جميعا والله الموفق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث