الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

المراد بقوله تعالى ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله

( 139 ) باب ذكر الدليل على أن في قوله تعالى : ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة [ البقرة : 196 ] . اختصار كلام معناه : فحلقتم ، ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ، كقوله - جل وعلا : اضرب بعصاك البحر فانفلق [ الشعراء : 63 ] . أراد : فيهن جميعا ، فضرب ، فاختصر الكلام وحذف فضرب ، والعلم محيط أن انفجار الحجر وانبجاسه وانفلاق البحر إنما كان عن ضربات موسى - صلى الله عليه وسلم - ، ولا شك ولا ارتياب أن موسى أطاع الله فيما أمر به من ضرب الحجر والبحر ، فكان انفلاق البحر وانفجار الحجر وانبجاسه بعد ضربه مسارعة منه إلى طاعة خالقه .

2678 - ثنا محمد بن معمر القيسي ، ثنا روح ، ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال : حدثني عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن كعب بن عجرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رآه ، وقمله يسقط على وجهه ، فقال : " أيؤذيك هوامك " قال : نعم ، فأمره أن يحلق وهو بالحديبية ، لم يبين لهم أن يحلوا بها وهم على طمع أن يدخلوا مكة ، فأنزل الله - عز وجل - الفدية فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يطعم فرقا بين ستة أو الهدي شاة أو يصوم ثلاثة أيام .

[ ص: 1270 ] قال أبو بكر : قد بينت في كتاب الأيمان والكفارات مبلغ الفرق ، وأنه ثلاثة آصع ، وبينت أن الصاع أربعة أمداد ، وأن الفرق ستة عشر رطلا ، وأن الصاع ثلثه ، إذ الفرق ثلاثة آصع ، والصاع خمسة أرطال وثلث بدلائل أخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهذه الآية من الجنس الذي يقول إن الله - عز وجل - أجمل فريضة ، وبين مبلغه على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم - ، إذ الله - عز وجل - أمر بالفدية في حلق الرأس في كتابه بصيام لم يذكر في الكتاب عدد أيام الصيام ، ولا مبلغ الصدقة ، ولا عدد من يصدق بصدقة الفدية عليهم ، ولا وصف النسك ، فبين النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي ولاه الله - عز وجل - بيان ما أنزل عليه من وجه أن الصيام ثلاثة أيام ، والصدقة ثلاثة آصع على ستة مساكين ، وأن النسك شاة ، وذكر النسك في هذا الخبر هو من الجنس الذي يقول إن الحكم بالمثل والشبه والنظير واجب ، فسبع بقرة ، وسبع بدنة في فدية حلق الرأس جائز أو سبع بقرة ، وسبع بدنة يقوم مقام شاة في الفدية ، وفي الأضحية والهدي ، ولم يختلف العلماء أن سبع بدنة ، وسبع بقرة يقوم كل سبع منها مقام شاة في هدي التمتع والقران والأضحية ، لم يختلفوا في ذلك الأمر ، زعم أن القران لا يكون إلا بسوق بدنة أو بقرة .

قال بعض أهل العلم : إن عشر بدنة يقوم مقام شاة في جميع ذلك ، فمن أجاز عشر بدنة في ذلك كان لسبعه أجوز ، إذ السبع أكثر من العشر ، وقد كنت أمليت على بعض أصحابنا مسألة في هذه الآية ، وبينت أن الله - عز وجل - قد يوجب الشيء في كتابه بمعنى ، وقد يجب ذلك الشيء بغير ذلك المعنى الذي أوجبه الله في الكتاب إما على لسان نبيه المصطفى - صلى الله عليه وسلم - أو على لسان أمته ؛ لأن الله - عز وجل - إنما أوجب في هذه الآية على من أصابه في رأسه ، أو كان به مرض فحلق رأسه ، وقد تجب عند جميع العلماء هذه الفدية على حالق الرأس ، وإن لم يكن به أذى من رأسه ، ولا كان مريضا ، وكان عاصيا [ ص: 1271 ] بحلق رأسه إذا لم يكن برأسه أذى ، ولا كان به مرض ، فبينت في ذلك الموضع أن الحكم بالنظير والشبيه في هذا الموضع واجب ، ولو لم يجز الحكم للمثل والشبيه والنظير لم يجب على من جز شعر رأسه بمقراض أو فدية ، إذ اسم الحلق لا يقع على الجز ، ولكن إذا وجب الحكم بالنظير والشبيه والمثل كان على جاز شعر الرأس في الإحرام من الفدية ما على الحالق ، وهذه مسألة طويلة قد أمليتها في ذلك الموضع .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث