الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 257 ] كتاب ذم الغرور

إن مفتاح السعادة التيقظ والفطنة ، ومنبع الشقاوة الغرور والغفلة ، والمغرور هو الذي لم تنفتح بصيرته ليكون بهداية نفسه كفيلا ، وبقي في العمى فاتخذ الهوى قائدا والشيطان دليلا ، ولما كان الغرور أم الشقاوات ومنبع الهلكات لزم شرح مداخله ومجاريه ، وتفصيل ما يكثر وقوع الغرور فيه ليحذره المريد بعد معرفته فيتقيه ، فالموفق من العباد من عرف مداخل الآفات والفساد فأخذ منها حذره ، وبنى على الحزم والبصيرة أمره .

بيان ذم الغرور وحقيقته :

اعلم أن قوله تعالى : ( فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور ) [ لقمان : 33 وفاطر : 5 ] وقوله تعالى : ( ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني ) [ الحديد : 14 ] الآية ، كاف في ذم الغرور . وقال صلى الله عليه وسلم : " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله " .

فالغرور هو سكون النفس إلى ما يوافق الهوى ويميل إليه الطبع عن شبهة وخدعة من الشيطان ، فمن اعتقد أنه على خير إما في العاجل أو في الآجل عن شبهة فاسدة فهو مغرور ، وأكثر الناس يظنون بأنفسهم الخير وهم مخطئون فيه ، فأكثر الناس إذن مغرورون وإن اختلفت أصناف غرورهم .

وأشد الغرور : غرور الكفار وغرور العصاة والفساق ; فأما غرور الكفار فقد أشير إليه في قوله تعالى : ( أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون ) [ البقرة : 86 ] .

وعلاج هذا الغرور : إما التصديق بالإيمان ، وإما بالبرهان . أما التصديق بمجرد الإيمان فهو أن يصدق الله تعالى في قوله : ( ما عندكم ينفد وما عند الله باق ) [ النحل : 96 ] . وفي قوله عز وجل : ( وما عند الله خير ) [ آل عمران : 198 ] . وقوله ( والآخرة خير وأبقى ) [ الأعلى : 17 ] وقوله : ( فلا تغرنكم الحياة الدنيا ) [ لقمان : 33 ، وفاطر : 5 ] .

وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك طوائف من الكفار فصدقوه وآمنوا به ولم يطالبوه .

[ ص: 258 ] بالبرهان ومنهم من قال : " نشدتك الله أبعثك الله رسولا " ؟ فكان يقول : " نعم " ، فيصدق ، هذا إيمان العامة ، وهو يخرج من الغرور .

وأما المعرفة بالبيان والبرهان فأن تعرف فساد ما وسوس به الشيطان من الغرور بالتبصر في دعوى الأنبياء والعلماء وتصديقهم ، فإنه أيضا يزيل الغرور ، وهو مدرك يقين العوام وأكثر الخواص ، ومثالهم مريض لا يعرف دواء علته وقد اتفق الأطباء وأهل الصناعة من عند آخرهم على أن دواءه النبت الفلاني ، فإنه تطمئن نفس المريض إلى تصديقهم ، ولا يطالبهم بتصحيح ذلك بالبراهين الطبية ، بل يثق بقولهم ويعمل به ، ولو بقي معتوه يكذبهم في ذلك ، وهو يعلم بالتواتر وقرائن الأحوال أنهم أكثر منه عددا وأغزر منه فضلا وأعلم منه بالطب ، بل لا علم له بالطب فيعلم كذبه بقولهم ، ولا يعتقد كذبهم بقوله ، ولا يغتر في علمه بسببه ، ولو اعتمد قوله وترك قول الأطباء كان معتوها مغرورا ، فكذلك من نظر إلى المقرين بالآخرة ، والمخبرين عنها والقائلين بأن التقوى هي الدواء النافع في الوصول إلى سعادتها وجدهم خير خلق الله وأعلاهم رتبة في البصيرة والمعرفة والعقل ، وهم الأنبياء والحكماء والعلماء ، واتبعهم علية الخلق على أصنافهم ، وشذ منهم آحاد ممن غلبت عليهم الشهوة ومالت نفوسهم إلى التمتع فعظم عليهم ترك الشهوات ، وعظم عليهم الاعتراف بأنهم من أهل النار ، فجحدوا الآخرة ، وكذبوا الأنبياء ، فكما أن قول الصبي والمعتوه لا يزيل طمأنينة القلب إلى ما اتفق الأطباء . فكذلك قول هذا الغبي الذي استرقته الشهوات لا يشكك في صحة أقوال الأنبياء والعلماء . وهذا القدر من الإيمان كاف لجملة الخلق ، وهو يقين جازم يستحث على العمل لا محالة ، والغرور يزول به .

وأما غرور العصاة من المسلمين فبقولهم : إن الله كريم وإنا نرجو عفوه ، واتكالهم على ذلك وإهمالهم الأعمال ، وتحسين ذلك بتسمية تمنيهم واغترارهم رجاء ، وظنهم أن الرجاء مقام محمود في الدين ، وأن نعمة الله واسعة ورحمته شاملة وكرمه عميم ، وأين معاصي العباد في بحار كرمه ، وإنا موحدون فنرجوه بوسيلة الإيمان .

وربما كان مستدرجاتهم التمسك بصلاح الآباء وعلو رتبتهم كاغترار العلوية بنسبهم ، ومخالفة سيرة آبائهم في الخوف والتقوى والورع ، وظنهم أنهم أكرم على الله من آبائهم إذ آباؤهم مع غاية الورع والتقوى كانوا خائفين ، وهم مع غاية الفسق والفجور آمنون وذلك نهاية الاغترار بالله تعالى .

أينسى المغرور أن نوحا عليه السلام أراد أن يستصحب ولده معه في السفينة فلم يرد فكان من المغرقين ( فقال رب إن ابني من أهلي ) [ هود : 45 ] فقال تعالى : ( يانوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح ) [ هود : 46 ] ، وأن إبراهيم - عليه السلام - استغفر لأبيه فلم ينفعه .

ومن ظن أنه ينجو بتقوى أبيه كمن ظن أنه يشبع بأكل أبيه ، ويروى بشرب أبيه ، ويصير عالما بعلم أبيه ، ويصل إلى الكعبة ويراها بمشي أبيه . فالتقوى فرض عين فلا يجزي فيه والد عن ولده شيئا ، وكذا العكس .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث