الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

من كلام علي بن أبي طالب رضي الله عنه

جزء التالي صفحة
السابق

ومن كلام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -

قال : لما قبض أبو بكر - رضي الله عنه - ارتجت المدينة بالبكاء ، كيوم قبض النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وجاء علي باكيا مسترجعا ، وهو يقول : اليوم انقطعت خلافة النبوة ، حتى وقف على باب البيت الذي فيه أبو بكر ؛ فقال :

رحمك الله أبا بكر ؛ كنت إلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنسه ، وثقته وموضع سره ؛ كنت أول القوم إسلاما ، وأخلصهم إيمانا ، وأشدهم يقينا ، وأخوفهم لله ، وأعظمهم غناء في دين الله ، وأحوطهم على رسول الله ، وأثبتهم على الإسلام ، وأيمنهم على أصحابه ، وأحسنهم صحبة ، وأكثرهم مناقب ، وأفضلهم سوابق ، وأرفعهم درجة ، وأقربهم وسيلة ، وأشبههم برسول الله - صلى الله عليه وسلم - سننا وهديا ، ورحمة وفضلا ؛ وأشرفهم منزلة ، وأكرمهم عليه ، وأوثقهم عنده .

[ ص: 144 ] فجزاك الله عن الإسلام وعن رسوله خيرا ؛ كنت عنده بمنزلة السمع والبصر .

صدقت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين كذبه الناس ، فسماك في تنزيله صديقا ، فقال : والذي جاء بالصدق وصدق به .

واسيته حين بخلوا ، وقمت معه عند المكاره حين قعدوا ، وصحبته في الشدائد أكرم الصحبة ، ثاني اثنين وصاحبه في الغار ، والمنزل عليه السكينة والوقار ؛ ورفيقه في الهجرة ، وخليفته في دين الله وفي أمته - أحسن الخلافة - حين ارتد الناس ، فنهضت حين وهن أصحابك ، وبرزت حين استكانوا ، وقويت حين ضعفوا ، وقمت بالأمر حين فشلوا ، ونطقت حين تتعتعوا ؛ مضيت بنور إذ وقفوا ، واتبعوك فهدوا .

وكنت أصوبهم منطقا ، وأطولهم صمتا ، وأبلغهم قولا ، وأكثرهم رأيا ، وأشجعهم نفسا ، وأعرفهم بالأمور ، وأشرفهم عملا .

كنت للدين يعسوبا ، أولا : حين نفر عنه الناس ؛ وآخرا : حين قفلوا ؛ وكنت للمؤمنين أبا رحيما ؛ إذ صاروا عليك عيالا ، فحملت أثقال ما ضعفوا عنه ، ورعيت ما أهملوا ، وحفظت ما أضاعوا ؛ شمرت إذ خنعوا ، وعلوت إذ هلعوا ، وصبرت إذ جزعوا ؛ وأدركت أوتار ما طلبوا ؛ وراجعوا رشدهم برأيك فظفروا ، ونالوا بك ما لم يحتسبوا .

وكنت كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أمن الناس عليه في صحبتك وذات يدك ؛ وكنت كما قال : ضعيفا في بدنك ، قويا في أمر الله ، متواضعا في نفسك ، عظيما عند الله ، جليلا في أعين الناس ، كبيرا في أنفسهم .

[ ص: 145 ] لم يكن لأحد فيك مغمز ، ولا لأحد مطمع ؛ ولا لمخلوق عندك هوادة ؛ الضعيف الذليل عندك قوي عزيز ، حتى تأخذ له بحقه ؛ والقوي العزيز عندك ضعيف ذليل ، حتى تأخذ منه الحق ؛ القريب والبعيد عندك سواء ؛ أقرب الناس إليك أطوعهم لله .

شأنك الحق والصدق والرفق ؛ وقولك حكم وحتم ، وأمرك حلم وحزم ، ورأيك علم وعزم ؛ فأبلغت وقد نهج السبيل ، وسهل العسير ؛ وأطفأت النيران ، واعتدل بك الدين ، وقوي الإيمان ، وظهر أمر الله ولو كره الكافرون ؛ وأتعبت من بعدك إتعابا شديدا ، وفزت بالخير فوزا عظيما ؛ فجللت عن البكاء ، وعظمت رزيتك في السماء ؛ وهدت مصيبتك الأيام ؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون ، رضينا عن الله قضاءه ، وسلمنا له أمره ، فوالله لن يصاب المسلمون بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمثلك أبدا ؛ فألحقك الله بنبيه ، ولا حرمنا أجرك ، ولا أضلنا بعدك .

وسكت الناس حتى انقضى كلامه ، ثم بكوا حتى علت أصواتهم .

* * *

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث