الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله عز وجل وإن كانت وحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد

جزء التالي صفحة
السابق

قوله عز وجل: وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس من بعد وصية يوصي بها أو دين

قرأ السبعة سوى نافع "واحدة" بالنصب على خبر "كان"; وقرأ نافع: "واحدة" بالرفع على أن كان بمعنى وقع وحضر، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي: "النصف" بضم النون، وكذلك قرأه علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت في جميع القرآن.

[ ص: 482 ] وقوله: "ولد" يريد ذكرا أو أنثى، واحدا أو جماعة، للصلب أو لولد ذكر، فإن ذلك كيف وقع يجعل فرض الأب السدس، وإن أخذ النصف في ميراثه فإنما يأخذه بالتعصيب.

وقوله تعالى: فإن لم يكن له ولد ... الآية، المعنى: فإن لم يكن له ولد، ولا ولد ولد، ذكرا كان أو أنثى. وقوله: وورثه أبواه تقتضي قوة الكلام أنهما منفردان عن جميع أهل السهام من ولد وغيره، فعلى هذا يكون قوله: "وورثه" حكما لهما بالمال، فإذا ذكر وحده بعد ذلك نصيب أحدهما أخذ النصيب الآخر، كما تقول لرجلين: هذا المال بينكما، ثم تقول لأحدهما، أنت يا فلان لك منه الثلث، فقد حددت للآخر منه الثلثين بنص كلامك.

وعلى أن فريضتهما خلت من الولد وغيره يجيء قول أكثر الناس: إن للأم مع الانفراد الثلث من المال كله، فإن كان معهما زوج كان للأم السدس ، وهو الثلث بالإضافة إلى الأب. وعلى أن الفريضة خلت من الولد فقط يجيء قول شريح وابن عباس: إن الفريضة إذا خلت من الولد أخذت الأم الثلث من المال كله مع الزوج، وكان ما بقي للأب، ويجيء على هذا قوله: "وورثه أبواه". منفردين أو مع غيرهما.

وقرأ حمزة والكسائي: فلإمه بكسر الهمزة، وهي لغة حكاها سيبويه، وكذلك كسر الهمزة من قوله: في بطون أمهاتكم ، "وفي إمها" و"في إم الكتاب"، وهذا كله إذا وصلا إتباعا للكسرة أو الياء التي قبل الهمزة. وقرأ الباقون كل هذا بضم للهمزة، وكسر حمزة الميم من "إمهاتكم" إتباعا لكسر الهمزة، ومتى لم يكن وصل وياء أو كسرة فالضم باتفاق.

وقوله تعالى: فإن كان له إخوة فلأمه السدس الإخوة يحطون الأم إلى السدس ولا يأخذونه، أشقاء كانوا أو للأب أو للأم، وقال من لا يعد قوله إلا في الشذوذ: إنهم يحطون ويأخذون ما يحطون لأنفسهم مع الأب، روي عن ابن عباس، وروي عنه [ ص: 483 ] خلافه مثل قول السدس الذي يحجبون الأم عنه، قال قتادة: وإنما أخذه الأب دونهم، لأنه يمونهم، ويلي نكاحهم، والنفقة عليهم، هذا في الأغلب، ومجمعون على أن أخوين فصاعدا يحجبون الأم عنه، إلا ما روي عن عبد الله بن عباس: أن الأخوين في حكم الواحد، ولا يحجب الأم أقل من ثلاثة. واستدل الجميع بأن أقل الجمع اثنان، لأن التثنية جمع شيء إلى مثله، فالمعنى يقتضي أنها جمع، وذكر المفسرون أن العرب قد تأتي بلفظ الجمع وهي تريد التثنية، كما قال تعالى: وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ، وكقوله في آية الخصم: إذ تسوروا المحراب إذ دخلوا وكقوله: "وأطراف النهار" واحتجوا بهذا كله في أن الإخوة يدخل تحته الأخوان.

قال القاضي أبو محمد رحمه الله:

وهذه الآيات كلها لا حجة فيها عندي على هذه الآية، لأنه قد تبين في كل آية منها بالنص أن المراد اثنان، فساغ التجوز بأن يؤتى بلفظ الجمع بعد ذلك، إذ معك في الأولى "يحكمان"، وفي الثانية "إن هذا أخي"، وأيضا فالحكم قد يضاف إلى الحاكم والخصوم، وقد يتسور مع الخصم غيرهما فهم جماعة، وأما "النهار" في الآية الثالثة فالألف واللام فيه للجنس فإنما أراد طرفي كل يوم، وأما إذا ورد لفظ الجمع ولم يقترن به ما يبين المراد فإنما يحمل على الجمع، ولا يحمل على التثنية، لأن اللفظ مالك للمعنى، وللبنية حق. وذكر بعض من احتج لقول عبد الله بن عباس: أن بناء التثنية يدل على الجنس والعدد كبناء الإفراد، وبناء الجمع يدل على الجنس ولا يدل على العدد، فلا يصح أن يدخل هذا على هذا.

وقرأ نافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي: "يوصى" [ ص: 484 ] بفتح الصاد وتشديدها، وكل هذا في الموضعين، وقرأ حفص عن عاصم في الأولى بالفتح، وفي الثانية بالكسر.

وهذه الآية إنما قصد بها تقديم هذين الفعلين على الميراث، ولم يقصد بها ترتيبهما في أنفسهما، ولذلك تقدمت الوصية في اللفظ، والدين مقدم على الوصية بإجماع، والذي أقول في هذا: إنه قدم الوصية إذ هي أقل لزوما من الدين، اهتماما بها وندبا إليها، كما قال تعالى: لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ، وأيضا قدمها من جهة أنها مضمنها الوصية التي هي كاللازم يكون لكل ميت، إذ قد حض الشرع عليها، وأخر الدين لشذوذه، وأنه قد يكون ولا يكون، فبدأ بذكر الذي لا بد منه، ثم عطف بالذي قد يقع أحيانا، ويقوي هذا كون العطف بأو، ولو كان الدين راتبا لكان العطف بالواو، وقدمت الوصية أيضا إذ هي حظ مساكين وضعاف، وأخر الدين إذ هو حظ غريم يطلبه بقوة، وهو صاحب حق له فيه، كما قال عليه السلام: "إن لصاحب الحق مقالا". وأجمع العلماء على أن ليس لأحد أن يوصي بأكثر من الثلث، واستحب كثير منهم ألا يبلغ الثلث، وأن يغض الناس إلى الربع.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث