الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب النهي عن لبس الحرير إلا قدر إصبعين

3857 باب: النهي عن لبس الحرير؛ إلا قدر إصبعين

وذكره النووي في: (باب: تحريم استعمال إناء الذهب. إلى آخره).

(حديث الباب)

وهو بصحيح مسلم \ النووي ص 45، 46 جـ 14 المطبعة المصرية

[ حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس ، حدثنا زهير ، حدثنا عاصم الأحول ؛ عن أبي عثمان ، قال: كتب إلينا عمر ونحن بأذربيجان : يا عتبة بن فرقد ! إنه ليس من كدك، ولا من كد أبيك، ولا من كد أمك. فأشبع [ ص: 16 ] المسلمين في رحالهم، مما تشبع منه في رحلك. وإياكم والتنعم، وزي أهل الشرك، ولبوس الحرير! فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لبوس الحرير. قال: إلا هكذا. ورفع لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إصبعيه: الوسطى والسبابة، وضمهما قال زهير : قال عاصم : هذا في الكتاب. قال: ورفع زهير إصبعيه ].

التالي السابق


(الشرح)

(عن أبي عثمان؛ قال: كتب إلينا عمر)؛ رضي الله عنه.

معناه: كتب إلى أمير الجيش، وهو "عتبة بن فرقد"، ليقرأه على الجيش. فقرأه علينا. قال النووي : هكذا ينبغي للراوي بالمكاتبة، أن يقول: كتب إلي فلان قال: حدثنا فلان - أو أخبرنا فلان - مكاتبة. أو في كتابه. أو فيما كتب به إلي. ونحو هذا. ولا يجوز: أن يطلق قوله: حدثنا، ولا: أخبرنا. هذا هو الصحيح. وجوزه: طائفة من متقدمي أهل الحديث وكبارهم؛ منهم: منصور، والليث، وغيرهما.

(ونحن بأذربيجان)؛ هو إقليم معروف، وراء العراق. وفي ضبطها: وجهان مشهوران:

أشهرهما وأفصحهما، وقول الأكثرين: بفتح الهمزة بغير مدة [ ص: 17 ] وإسكان الذال، وفتح الراء، وكسر الباء. قال صاحب المطالع، وآخرون: هذا هو المشهور.

والثاني: مد الهمزة، وفتح الذال، وفتح الراء، وكسر الباء. وحكى صاحب المشارق والمطالع: أن جماعة فتحوا الباء، على هذا الثاني. والمشهور: كسرها.

(يا عتبة بن فرقد! إنه ليس من كدك، ولا من كد أبيك، ولا من كد أمك).

"الكد": التعب والمشقة. والمراد: أن المال الذي عندك؛ ليس هو من كسبك، ومما تعبت فيه، ولحقتك الشدة والمشقة في كده وتحصيله، ولا هو من كد أبيك وأمك، فورثته منهما، بل هو مال المسلمين.

(فأشبع المسلمين في رحالهم، مما تشبع منه في رحلك). أي: فشاركهم فيه، ولا تختص عنهم بشيء. بل أشبعهم منه، وهم في منازلهم؛ كما تشبع منه: في الجنس، والقدر، والصفة. ولا تؤخر أرزاقهم عنهم. ولا تحوجهم يطلبونها منك. بل أوصلها إليهم وهم في رحالهم، بلا طلب.

(وإياكم والتنعم، وزي أهل الشرك). "والزي" بكسر الزاي: الهيئة.

(ولبوس الحرير). بفتح اللام وضم الباء: ما يلبس منه.

[ ص: 18 ] ومقصوده "رضي الله عنه": حثهم على خشونة العيش، وصلابتهم في ذلك، ومحافظتهم على طريقة العرب في ذلك.

وقد جاء في هذا الحديث: زيادة في مسند "أبي عوانة الإسفراييني" وغيره؛ بإسناد صحيح: "قال: أما بعد! فاتزروا، وارتدوا. وألقوا الخفاف والسراويلات. وعليكم بلباس أبيكم إسماعيل. وإياكم والتنعم وزي الأعاجم! وعليكم بالشمس؛ فإنها حمام العرب. وتمعددوا، واخشوشنوا، واقطعوا الركب، وابرزوا، وارموا الأغراض". والله أعلم.

(فإن رسول الله صلى الله عليه) وآله (وسلم؛ نهى عن: لبوس الحرير).

فيه: دليل على تحريم لبسه على الرجل؛ لأن النهي حقيقة في التحريم.

(قال: إلا هكذا. ورفع لنا رسول الله، صلى الله عليه) وآله (وسلم؛ إصبعيه: الوسطى والسبابة، وضمهما).

فيه: دلالة على أنه يحل من الحرير: مقدار إصبعين؛ كالطراز، والسجاف. من غير فرق بين المركب على الثوب، والمنسوج، والمعمول بالإبرة، والترقيع كالتطريز.

(قال عاصم) الأحول؛ الراوي لهذا الحديث، عن أبي عثمان [ ص: 19 ] النهدي: (هو في الكتاب. ورفع زهير إصبعيه).

وورد في حديث آخر: "مقدار أربع أصابع". كما سيأتي.

وهذا الحديث: مما استدركه الدارقطني ، على البخاري ومسلم.

وقال: هذا الحديث، لم يسمعه أبو عثمان من عمر. بل أخبر عن كتاب عمر. وهذا الاستدراك باطل. فإن الصحيح؛ الذي عليه جماهير المحدثين، ومحققو الفقهاء، والأصوليون: جواز العمل بالكتاب، وروايته عن الكاتب، سواء قال في الكتاب: أذنت لك في رواية هذا عني، أو أجزتك روايته عني، أو لم يقل شيئا. وقد أكثر البخاري ومسلم، وسائر المحدثين والمصنفين؛ في تصانيفهم: من الاحتجاج بالمكاتبة. فيقول الراوي منهم، وممن قبلهم: كتب إلي فلان كذا. أو كتب إلي فلان قال: حدثنا فلان، أو أخبرني مكاتبة. والمراد به: هذا الذي نحن فيه. وذلك: معمول به عندهم، معدود في المتصل؛ لإشعاره بمعنى الإجازة، وزاد السمعاني فقال: هي أقوى من الإجازة. ودليلهم في المسألة: الأحاديث الصحيحة المشهورة: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يكتب إلى عماله، ونوابه، وأمرائه. ويفعلون ما فيها". وكذلك الخلفاء. ومن ذلك: كتاب عمر هذا.

[ ص: 20 ] فإنه كتبه إلى جيشه، وفيه خلائق من الصحابة. فدل على: حصول الاتفاق منه وممن عنده في المدينة، ومن في الجيش: على العمل بالكتاب. كذا قال النووي .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث