الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بيان بعض أصناف المغترين

بيان بعض أصناف المغترين :

فمنهم فرقة أحكموا العلوم الشرعية والعقلية وأهملوا تفقد الجوارح وحفظها عن المعاصي ، واغتروا بعلمهم وظنوا أنهم عند الله بمكان لا يعذب مثلهم ، ولو نظروا بعين البصيرة لعلموا أن العلم إنما يراد لمعرفة الحلال والحرام ، ومعرفة أخلاق النفس المذمومة والمحمودة وكيفية علاجها والفرار منها ، فهي علوم لا تراد إلا للعمل ، وكل علم يراد للعمل فلا قيمة له دون العمل . وقد ورد فيمن لا يعمل بعلمه ما فيه أشد الترهيب كقوله تعالى : ( مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا ) [ الجمعة : 5 ] فأي خزي أعظم من التمثيل بالحمار ؟ .

وفرقة أخرى أحكموا العلم والعمل فواظبوا على الطاعات الظاهرة وتركوا المعاصي ، إلا أنهم لم يتفقدوا قلوبهم ليمحوا عنها الصفات الذميمة من الكبر والحسد والرياء وطلب العلا وإرادة السوء للأقران والنظراء وطلب الشهرة في البلاد والعباد ، فهؤلاء زينوا ظواهرهم وأهملوا [ ص: 261 ] بواطنهم ونسوا قوله صلى الله عليه وسلم : " إن الله لا ينظر إلى صوركم ، ولا إلى أموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم " فتعهدوا الأعمال وما تعهدوا القلوب ، والقلب هو الأصل إذ لا ينجو إلا من أتى الله بقلب سليم ، ومثال هؤلاء قبور الموتى : ظاهرها مزين وباطنها جيفة .

وفرقة اقتصروا على علم الفتاوى في الحكومات والخصومات وتفاصيل المعاملات الدنيوية الجارية بين الخلق لمصالح العباد ، وخصصوا اسم الفقه بها . وربما ضيعوا مع ذلك الأعمال الظاهرة والباطنة فلم يتفقدوا الجوارح كاللسان عن الغيبة ، ولا البطن عن الحرام ، ولم يحرسوا قلوبهم عن الكبر والحسد والرياء وسائر المهلكات ، فهؤلاء مغرورون من وجهين : من حيث العمل ومن حيث العلم .

أما من العمل فقد قدمنا أولا وجه الغرور فيه ، ومثالهم المريض إذا تعلم نسخة الدواء واشتغل بتكرارها وتعليمها المرضى ولم يشتغل بشربها واستعمالها ، أفترى أن ذلك يغني عنه من مرضه شيئا ؟ هيهات هيهات ، فلا بد من شربه وصبره على مرارته ، على أنه بعد على خطر من شفائه .

وأما غروره من حيث العلم فحيث اقتصر على علم المعاملات وظن أنه علم الدين ، وترك علم كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وربما طعن في المحدثين وقال : إنهم نقلة أخبار وحملة أسفار لا يفقهون . وترك أيضا علم تهذيب الأخلاق ، وترك الفقه عن الله تعالى بإدراك جلاله وعظمته ، وهو الذي يورث الخوف والهيبة والخشوع ويحمل على التقوى ، فإن الفقه هو الفقه عن الله ومعرفة صفاته المخوفة والمرجوة ليستشعر القلب الخوف ويلازم التقوى إذ قال تعالى : ( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ) [ التوبة : 122 ] والذي يحصل به الإنذار غير هذا العلم .

وفرقة اشتغلوا بالوعظ والتذكير والتكلم في أخلاق النفس والزهد والإخلاص وهم مغرورون يظنون بأنفسهم أنهم إذا تكلموا بهذه الصفات ودعوا الخلق إليها فقد صاروا موصوفين بها وهم منفكون عنها عند الله لحرصهم على السمعة وحسدهم لمن يتقدمهم من أقرانهم ، وغيظهم على من يثني على معاصريهم ، وجمعهم لحطام الدنيا ، فهؤلاء أعظم الناس غرة .

وفرقة منهم قنعوا بحفظ كلام الزهاد وأحاديثهم في ذم الدنيا ، فهم يحفظون الكلمات ويؤدونها من غير إحاطة بمعانيها ولو في الأسواق مع الجلساء ، وكل منهم يظن أنه إذا حفظ كلام الزهاد فقد أفلح ونال الغرض ، وصار مغفورا له من غير أن يحفظ باطنه عن الآثام ، وغرور هؤلاء أظهر من غرور من قبلهم .

وفرقة اشتغلوا بعلم النحو واللغة والشعر وغريب اللغة واغتروا به وزعموا أنهم قد غفر لهم ، وأنهم من علماء الأمة فأفنوا أعمارهم في ذلك وأعرضوا عن معرفة معاني الشريعة والعمل [ ص: 262 ] بها ، كمن ضيع عمره في تصحيح مخارج الحروف في القرآن واقتصر عليه وهو غرور ، إذ المقصود من الحروف المعاني وإنما الحروف أدوات ، فاللب هو العمل والذي فوقه كالقشر للعمل . فالقانعون به مغترون إلا من اتخذه منزلا فلم يعرج عليه إلا بقدر حاجته ، فتجاوزه حتى وصل إلى لباب العمل ، فحمل نفسه عليه فصفها من الشوائب والآفات .

غرور أرباب العبادة وهم فرق عديدة :

منهم فرقة تعمقوا حتى خرجوا إلى العدوان والسرف ، كالذي يغلب عليه الوسوسة في الوضوء فيبالغ فيه ولا يرضى المحكوم بطهارته في الشرع ويقدر الاحتمالات البعيدة قريبة في النجاسة ، ولو انقلب هذا الاحتياط من الماء إلى الطعام لكان أشبه بسيرة الصحابة ؛ إذ توضأ " عمر " - رضي الله عنه - بماء في جرة نصرانية مع ظهور احتمال النجاسة ، وكان مع هذا يدع أبوابا من الحلال مخافة من الوقوع في الحرام .

ومنهم فرقة غلب عليها الوسوسة في نية الصلاة فلا يدعه الشيطان حتى يعقد نية صحيحة على زعمه ، وقد يوسوسون في التكبير حتى قد يغيرون صيغة التكبير لشدة الاحتياط فيه على زعمهم ، يفعلون ذلك في أول الصلاة ثم يغفلون في جميع الصلاة فلا يحضرون قلوبهم ويغترون بذلك ويظنون أنهم على خير عند ربهم .

وفرقة تغلب عليهم الوسوسة في إخراج حروف الفاتحة وسائر الأذكار من مخارجها ، فلا يزال يحتاط في التشديدات والفرق بين الضاد والظاء وتصحيح المخارج في جميع صلاته لا يهمه غيره ذاهلا عن معنى القرآن والاتعاظ به وصرف الفهم إلى أسراره ، وهذا من أقبح أنواع الغرور ، فإنه لم يكلف الخلق في تلاوة القرآن من تحقيق مخارج الحروف إلا بما جرت به عادتهم في الكلام ، ومثال هؤلاء مثال من حمل رسالة إلى مجلس سلطان وأمر أن يؤديها على وجهها فأخذ يؤدي الرسالة ويتأنق في مخارج الحروف ويكررها ويعيدها مرة بعد أخرى ، وهو في ذلك غافل عن مقصود الرسالة ومراعاة حرمة المجلس ، فما أحراه بأن يقام عليه التأديب ويحكم عليه بفقد العقل .

وفرقة اغتروا بقراءة القرآن فيهذونه هذا وربما يختمونه في اليوم والليلة مرة ، ولسان أحدهم يجري وقلبه يتردد في أودية الأماني إذ لا يتفكر في معاني القرآن لينزجر بزواجره ويتعظ بمواعظه ، ويقف عند أوامره ونواهيه ، ويعتبر بمواضع الاعتبار فيه ، فهو مغرور يظن أن المقصود من إنزال القرآن الهمهمة به مع الغفلة عنه ، ومثاله مثال عبد كتب إليه مولاه كتابا وأشار عليه فيه بالأوامر والنواهي فلم يصرف عنايته إلى فهمه والعمل به ولكن اقتصر على حفظه ، فهو مستمر على خلاف ما أمر به مولاه إلا أنه يكرر الكتاب بصوته ونغمته كل يوم مائة مرة ، فهو مستحق للعقوبة ، ومهما ظن أن ذلك هو المراد منه فهو مغرور . نعم تلاوته إنما تراد لكيلا ينسى ، بل لحفظه ، وحفظه يراد لمعناه ، ومعناه يراد للعمل به والانتفاع بمعانيه ، وقد يكون له صوت طيب [ ص: 263 ] فهو يقرؤه ويلتذ به ، ويغتر باستلذاذه ويظن أن ذلك لذة مناجاة الله تعالى وسماع كلامه ، وإنما هي لذته في صوته فليتفقد قلبه وليخش ربه .

وفرقة اغتروا بالصوم وربما صاموا الدهر أو الأيام الشريفة وهم فيها لا يحفظون ألسنتهم عن الغيبة ، وخواطرهم عن الرياء ، وبواطنهم عن الحرام عند الإفطار ، وألسنتهم عن الهذيان بأنواع الفضول طول النهار ، وهو مع ذلك يظن بنفسه الخير فيهمل الفرائض ويطلب النفل ثم لا يقوم بحقه ، وذلك غاية الغرور .

وفرقة اغتروا بالحج فيخرجون إلى الحج من غير خروج عن المظالم وقضاء الديون واسترضاء الوالدين وطلب الزاد الحلال ، وقد يفعلون ذلك بعد سقوط حجة الإسلام ، ويضيعون في الطريق الصلاة والفرائض ، ولا يحذرون من الرفث والخصام ، ثم يحضر البيت بقلب ملوث بذميم الأخلاق لم يقدم تطهيره على حضوره ، وهو مع ذلك يظن أنه على خير من ربه فهو مغرور .

وفرقة جاوروا بمكة والمدينة واغتروا بذلك ولم يراقبوا قلوبهم ولم يطهروا ظاهرهم وباطنهم ، فقلوبهم معلقة ببلادهم ملتفتة إلى قول من يعرفه : إن فلانا مجاور بمكة ، وتراه يقول : قد جاورت بمكة كذا وكذا سنة . ثم إنه قد يجاور ويمد عين طمعه إلى أوساخ أموال الناس ، ويظهر فيه الرياء وجملة من المهلكات كان عنها بمعزل لو ترك المجاورة ، ولكن حب المحمدة ، وأن يقال : إنه من المجاورين ألزمه المجاورة مع التضمخ بهذه الرذائل فهو أيضا مغرور .

وفرقة زهدت في المال وقنعت من اللباس والطعام بالدون ، ومن المسكن بالمساجد أو المدارس ، وظنت أنها أدركت رتبة الزهاد ، وهو مع ذلك راغب بالرياسة والجاه إما بالعلم أو بالوعظ أو بمجرد الزهد ، فقد ترك أهون الأمرين وباء بأعظم المهلكين ، فهذا مغرور إذ ظن أنه من الزهاد في الدنيا ، وهو لم يفهم معنى الدنيا ، ولم يدر أن منتهى لذاتها الرياسة ، وأن الراغب فيها لا بد وأن يكون منافقا وحسودا ومتكبرا ومرائيا ومتصفا بجميع خبائث الأخلاق . وقد يؤثر الخلوة والعزلة ، وهو مع ذلك مغرور ، إذ يتطاول بذلك على الناس وينظر إليهم بعين الاستحقار ، ويعجب بعمله ويتصف بجملة من خبائث القلوب ، وربما يعطى المال فلا يأخذه خيفة من أن يقال بطل زهده ، فهو راغب في حمد الناس وهو من ألذ أبواب الدنيا ، ويرى نفسه أنه زاهد في الدنيا وهو مغرور ، ومع ذلك فربما لا يخلو عن توقير الأغنياء وتقديمهم على الفقراء ، والميل إلى المريدين له والمثنين عليه ، والنفرة عن المائلين إلى غيره ، وكل ذلك خدعة وغرور من الشيطان نعوذ بالله منه .

وفي العباد من يشدد على نفسه في أعمال الجوارح ، ولا يخطر له مراعاة القلب وتفقده وتطهيره من الرياء والكبر والعجب وسائر المهلكات ، ويتوهم أنه مغفور له لعمله الظاهر وأنه [ ص: 264 ] غير مؤاخذ بأحوال القلب ، وقد يظن أن العبادات الظاهرة تترجح بها كفة حسناته وهيهات ، وذرة من ذي تقوى وخلق واحد من أخلاق الأكياس أفضل من أمثال الجبال عملا بالجوارح ، ثم لا يخلو هذا المغرور من سوء خلقه مع الناس وخشونته وتلوث باطنه بالرياء وحب الثناء . فإذا قيل له : أنت من أوتاد الأرض وأولياء الله وأحبابه فرح المغرور بذلك وصدق به ، وظن أن تزكية الناس له دليل على كونه مرضيا عند الله ، ولا يدري أن ذلك لجهل الناس بخبائث باطنه .

وفرقة حرصت على النوافل ولم يعظم اعتدادها بالفرائض ، ترى أحدهم يفرح بصلاة الضحى وبصلاة الليل وأمثال هذه النوافل ، ولا يجد للفريضة لذة ، ولا يشتد حرصه على المبادرة بها في أول الوقت ، وينسى قوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه : " ما تقرب المتقربون إلي بمثل أداء ما افترضت عليهم " .

غرور المتصوفة وهم فرق كثيرة :

ففرقة منهم اغتروا بالزي والهيئة والمنطق ، فيجلسون على السجادات مع إطراق الرأس وإدخاله في الجيب كالمتفكر ، وفي تنفس الصعداء ، وفي خفض الصوت في الحديث ، ولم يتعبوا أنفسهم قط في المجاهدة والرياضة ومراقبة القلب وتطهير الباطن والظاهر من الآثام الخفية والجلية ، وكل ذلك من أوائل منازل التصوف مع أنهم لم يحوموا قط حولها ولم يسوموا أنفسهم شيئا منها .

وفرقة ادعت علم المعرفة ومشاهدة الحق ومجاوزة المقامات والأحوال والملازمة في عين الشهود والوصول إلى القرب ، ولا يعرف هذه الأمور إلا بالأسامي والألفاظ ; لأنه تلقف من ألفاظ الطامات كلمات فهو يرددها ، ويظن أن ذلك أعلى من علم الأولين والآخرين ، فهو ينظر إلى الفقهاء والمفسرين والمحدثين وأصناف العلماء بعين الازدراء فضلا عن العوام ، حتى إن الفلاح ليترك فلاحته والحائك يترك حياكته ويلازمهم ويتلقف منهم تلك الكلمات المزيفة فيرددها كأنه يتكلم عن الوحي ويخبر عن سر الأسرار ، ويستحقر بذلك جميع العباد والعلماء ويقول : " إنهم عن الله محجوبون " ، ويدعي لنفسه الوصول إلى الحق وأنه من المقربين ، وهو عند الله من المنافقين ، وعند أرباب القلوب من الحمقى الجاهلين ، لم يحكم قط علما ، ولم يهذب خلقا ، ولم يرتب عملا ، ولم يراقب قلبا سوى اتباع الهوى وتلقف الهذيان وحفظه .

وفرقة وقعت في الإباحة وطووا بساط الشرع ورفضوا الأحكام وسووا بين الحلال والحرام ، فبعضهم يقول : " إن الله مستغن عن عملي فلم أتعب نفسي " ؟ وبعضهم يقول : " الأعمال بالجوارح لا وزن لها وإنما النظر إلى القلوب ، وقلوبنا والهة بحب الله وواصلة إلى معرفة الله ، وإنما نخوض في الدنيا بأبداننا وقلوبنا عاكفة في الحضرة الربوبية ، فنحن مع الشهوات بالظواهر لا بالقلوب " ويزعمون أنهم قد ترقوا عن رتبة العوام واستغنوا عن تهذيب النفس بالأعمال البدنية ، وأن الشهوات لا تصدهم عن طرق الله لقوتهم فيها . وكل هذا من [ ص: 265 ] وساوس يخدعهم الشيطان بها ، والإباحية من الكفار المارقين . نعوذ بالله أن نكون من الجاهلين .

وفرقة ادعوا حسن الخلق والتواضع والسماحة فتصدوا لخدمة الصوفية فجمعوا قوما وتكلفوا بخدمتهم واتخذوا ذلك شبكة للرياسة وجمع المال ، فيجمعون من الحرام والشبهات وينفقون عليهم لتكثر أتباعهم وينتشر بالخدمة اسمهم ، وما باعثهم إلا الرياء والسمعة .

وثمة فرق أخر لا يحصى غرورها ، والغرض من ذلك التنبيه على أمثلة تعرف الأجناس دون الاستيعاب ، فإن ذلك يطول .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث