الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفرق بين قاعدة حمل المطلق على المقيد في الكلي وبين قاعدة حمل المطلق على المقيد في الكلية

[ ص: 190 ] ( الفرق الحادي والثلاثون بين قاعدة حمل المطلق على المقيد في الكلي وبين قاعدة حمل المطلق على المقيد في الكلية وبينهما في الأمر والنهي والنفي ) . اعلم أن العلماء أطلقوا في كتبهم حمل المطلق على المقيد وحكوا فيه الخلاف مطلقا وجعلوا أن حمل المطلق على المقيد يفضي إلى العمل بالدليلين دليل الإطلاق ودليل التقييد وأن عدم الحمل يفضي إلى إلغاء الدليل الدال على التقييد وليس الأمر كما قالوا على الإطلاق بل هما قاعدتان متباينتان في هذه الأبواب المتقدم ذكرها وبيان ذلك أن صاحب الشرع إذا قال اعتقوا رقبة ثم قال في موطن آخر رقبة مؤمنة فمدلول قوله رقبة كلي وحقيقة مشترك فيها بين جميع الرقاب وتصدق بأي فرد وقع منها فمن أعتق سعيدا فقد أعتق رقبة ووفى مقتضى هذا اللفظ فإذا أعتقنا رقبة مؤمنة فقد وفينا بمقتضى الإطلاق وهو مفهوم الرقبة وبمقتضى التقييد وهو وصف الأيمان فكنا جامعين بين الدليلين وهذا كلام حق أما إذا ورد أمر صاحب الشرع بإخراج الزكاة من كل أربعين شاة شاة [ ص: 191 ] كما جاء في الحديث { في كل أربعين شاة شاة } ثم ورد بعد ذلك قوله عليه السلام { في الغنم السائمة الزكاة } فمن قصد في هذا المقام حمل المطلق الأول الذي هو الغنم على هذا القيد الذي هو الغنم السائمة اعتمادا منه على أنه من باب حمل المطلق على المقيد فقد فاته الصواب بسبب أن الحمل هنا يوجب أن المقيد خصص المطلق وأخرج منه جميع الأغنام المعلوفة والعموم يتقاضى وجوب الزكاة فيها فليس جامعا بين الدليلين بل تاركا لمقتضى العموم وحاملا له على التخصيص مع إمكان عدم التخصيص فلا يكون الدليل الدال على حمل المطلق على المقيد موجودا ههنا وهو الجمع بين دليل الإطلاق ودليل التقييد ومن أثبت الحكم بدون موجبه ودليله فقد أخطأ بل هذا يرجع إلى قاعدة أخرى وهي تخصيص العموم بذكر بعضه والصحيح عند العلماء أنه باطل لأن البعض لا ينافي الكل أو من قاعدة تخصيص العموم بالمفهوم الحاصل من قيد السوم وفيه خلاف .

أما أنه من باب حمل المطلق على المقيد فلا لأنه كلية ولفظ عام وإنما يستقيم حمل المطلق في الكلي المطلق لا في الكلية لما تقدم من الفرق وكذلك وقع في كتب العلماء التسوية بين الأمر والنهي في حمل المطلق على المقيد وليس كذلك فإن صاحب الشرع لو قال لا تعتقوا رقبة ثم قال لا تعتقوا رقبة كافرة كان اللفظ الأول من صيغ العموم لأن النكرة في سياق النهي كالنكرة في سياق النفي تعم فيكون اللفظ الثاني لو حملنا الأول عليه مخصصا للأول فإنه يخرج [ ص: 192 ] الرقاب المؤمنة على امتناع العتق والعموم يتقاضاه فلم يكن فيه جمع بين الدليلين بل التزام للتخصيص بغير دليل وإلغاء للعموم من غير موجب بخلاف هذه النكرة لو كانت في سياق الأمر فإنها حينئذ لا تكون عامة بل مطلقة فيكون حملها على نص التقييد جمعا بين الدليلين وظهر أيضا الفرق بين الأمر والنهي والإمام فخر الدين في المحصول وغيره من العلماء نص على التسوية بينهما وليسا بمستويين فتأمل ذلك كما بينته لك فيتحصل من هذا المبحث أن حمل المطلق على المقيد إنما يتصور في كلي دون كلية وفي مطلق دون عموم وفي الأمر وخبر الثبوت دون النهي وخبر النفي لأن خبر النفي كقولنا ليس في الدار أحد يقع نكرة في سياق النفي فيعم فيئول الحال إلى الكلية دون الكلي وخبر الثبوت هو كالأمر نحو في الدار رجل فإنه مطلق كلي لا كلية لأن النكرة لا تعم في سياق الثبوت وإذا تقرر الفرق واتضح الحق فهاهنا أربع مسائل .

( المسألة الأولى )

الحنفية لا يرون حمل المطلق على المقيد خلافا للشافعية وكان قاضي القضاة صدر الدين الحنفي يقول إن الحنفية تركوا أصلهم لا لموجب فيما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم { إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا إحداهن بالتراب وورد أولاهن بالتراب } فقوله { إحداهن } مطلق وقوله عليه السلام { أولاهن } مقيد بكونه أولا ولم يحملوا المطلق على المقيد فيعينوا الأولى بل أبقوا الإطلاق على إطلاقه وكان يورد هذا السؤال على الشافعية فيعسر عليهم الجواب عنه فسمعته يوما يورده فقلت له هذا لا يلزمهم لأجل قاعدة [ ص: 193 ] أصولية مذكورة في هذا الباب وهي أنا إذا قلنا بحمل المطلق على المقيد فورد المطلق مقيدا بقيدين متضادين فتعذر الجمع بينهما تساقطا فإن اقتضى القياس الحمل على أحدهما ترجح وفي هذا الحديث ورد المطلق فيه مقيدا بقيدين متضادين فورد أولاهن وورد أخراهن فتساقطا وبقي إحداهن على إطلاقه فلم يخالف الشافعية أصولهم وأما أصحابنا المالكية فلم يعرجوا على هذا الحديث المطلق ولا على قيديه بل اقتصروا على سبع من غير تراب ، وأنا متعجب من ذلك مع وروده في الأحاديث الصحيحة .

( المسألة الثانية ) ورد في الحديث الصحيح عن رسول الله { صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع ما لم يقبض } وأخذ الشافعي بعموم هذا الحديث وورد أيضا نهيه عن بيع الطعام قبل قبضه فخصص أصحابنا المنع بالطعام خاصة وجوزوا بيع غيره قبل قبضه واختلفت مداركهم في ذلك فمنهم من يقول هو من باب حمل المطلق على المقيد فيحمل الإطلاق في الحديث الأول على التقييد في الحديث الثاني ومنهم من يقول الأول عام والثاني خاص وإذا تعارض العام والخاص قدم الخاص على العام والمدركان باطلان أما الأول فلأنه وقد تقدم أن المطلق إنما يحمل على المقيد في الكلي دون الكلية وهذا الحديث الأول عام فهو كلية فلا يصح فيه حمل المطلق على المقيد وأما المدرك الثاني فهو من باب تخصيص العموم بذكر بعضه وهو باطل كما تقرر في أصول الفقه فإنه لا منافاة بين ذكر الشيء وذكر بعضه والطعام هو بعض ما تناوله العموم الأول فلا يصح تخصيصه فيه فبقيت المسألة مشكلة علينا ويظهر أن الصواب مع الشافعي .

( المسألة الثالثة ) قال مالك من ارتد حبط عمله بمجرد ردته وقال الشافعي لا يحبط عمله إلا بالوفاة على الكفر لأن قوله تعالى { لئن أشركت ليحبطن عملك } وإن كان مطلقا [ ص: 194 ] وتمسك به مالك على إطلاقه غير أنه قد ورد مقيدا في قوله تعالى في الآية الأخرى { ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } فيجب حمل المطلق على المقيد فلا يحبط العمل إلا بالوفاة على الكفر والجواب أن الآية الثانية ليست مقيدة للآية الأولى لأنها رتب فيها مشروطان وهما الحبوط والخلود على شرطين وهما الردة والوفاة على الكفر وإذا رتب مشروطان على شرطين أمكن التوزيع فيكون الحبوط المطلق الردة والخلود لأجل الوفاة على الكفر فيبقى المطلق على إطلاقه ولم يتعين أن كل واحد من الشرطين شرط في الإحباط فليست هاتان الآيتان من باب حمل المطلق على المقيد فتأمل ذلك فهو من أحسن المباحث سؤالا وجوابا .

( المسألة الرابعة ) ورد قوله عليه السلام { جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا } وورد { وترابها طهورا } قال الشافعي رضي الله عنه هذا من باب المطلق والمقيد فيحمل الأول على الثاني فلا يجوز التيمم بغير التراب وهذا لا يصح فإن الأول عام كلية لا يصح فيه حمل المطلق على المقيد لما تقدم أن ذلك لا يصح إلا في الكلي دون الكلية وهو أيضا من باب تخصيص العموم بذكر بعضه وهو أيضا باطل فأصاب الشافعي من الإشكال في هذه المسألة ما أصاب أصحابنا في مسألة بيع الطعام قبل قبضه حرفا بحرف .

التالي السابق


حاشية ابن الشاط

[ ص: 188 - 190 ] قال ( الفرق الحادي والثلاثون بين قاعدة حمل المطلق على المقيد في الكلي وبين قاعدة حمل المطلق على المقيد في الكلية وبينهما في الأمر والنهي والنفي إلى قوله وهذا كلام حق ) قلت في أثناء كلامه فمدلول قوله ( رقبة ) كلي وحقيقة مشترك فيهما بين جميع الرقاب ليس بصحيح بل مدلول لفظ رقبة مطلق لا كلي والمطلق إنما هو الواحد المبهم مما فيه الحقيقة والكلي هو الحقيقة الواقع فيها الاشتراك عند من يقول بإثبات الحقائق المشترك فيها وقوله ويصدق بأي فرد منها صحيح لكن لا من الوجه الذي أشار إليه ولكن من جهة أن مقتضى الإطلاق الأمر بواحد غير معين فإذا أوقع واحدا أي واحد كان مما فيه تلك الحقيقة أجزأ والوجود اقتضى التعيين لا الوجوب قال ( أما إذا ورد ، أمر صاحب الشرع بإخراج الزكاة من كل أربعين شاة [ ص: 191 ] كما جاء في الحديث { في كل أربعين شاة شاة } ثم ورد بعد ذلك قوله عليه السلام { في الغنم السائمة الزكاة } فمن قصد في هذا المقام حمل المطلق الأول الذي هو الغنم على هذا المقيد الذي هو الغنم السائمة اعتمادا منه على أنه من باب حمل المطلق على المقيد فقد فاته الصواب إلى قوله لما تقدم من الفرق ) قلت ما قاله في هذا الموضع مسلم قال ( وكذلك وقع في كتب العلماء التسوية بين الأمر والنهي في حمل المطلق على المقيد وليس كذلك إلى قوله [ ص: 192 ] فهاهنا أربع مسائل ) قلت ما قاله أيضا مسلم غير إطلاقه لفظ الكلي فإن أراد به الواحد غير المعين وهو المطلق فلا مشاحة وإن أراد الكلي حقيقة فليس الكلي هو المطلق بل الكلي الحقيقة والمطلق الواحد غير المعين مما فيه الحقيقة قال

( المسألة الأولى الحنفية لا يرون حمل المطلق على المقيد خلافا للشافعية إلى آخر المسألة )

قلت ما قاله في هذه المسألة والتي بعدها صحيح والله أعلم . [ ص: 193 ] قال ( المسألة الثالثة )

قال مالك من ارتد حبط عمله بمجرد ردته إلى قوله [ ص: 194 ] فلا يحبط العمل إلا بالوفاة على الكفر قلت ما قاله الشافعية هو الأصح والله أعلم قال ( والجواب أن الآية الثانية ليست مقيدة للآية الأولى إلى آخر المسألة ) قلت ليس هذا الجواب عندي بصحيح وقوله إذا رتب مشروطان على شرطين أمكن التوزيع صحيح لكن بشرط أن يصح استقلال كل واحد من المشروطين عن الآخر أما إذا لم يصح الاستقلال فلا والمشروطان مما فيه الكلام من الضرب الثاني الذي لا يصح فيه استقلال أحد المشروطين عن الآخر لأنهما سبب ومسبب والسبب لا يستغني عن مسببه وبالعكس فالأمر في جوابه ليس كما زعم والله تعالى أعلم . وما قاله في المسألة الرابعة صحيح .



حاشية ابن حسين المكي المالكي

( الفرق الحادي والثلاثون بين قاعدتي حمل الإطلاق على التقييد في المطلق لا الكلية وفي الأمر لا النهي والنفي ) وذلك لأن العلماء وإن حكوا في حمل الإطلاق على التقييد الخلاف مطلقا وأن الحمل يفضي إلى العمل بدليلي الإطلاق والتقييد وأن عدم الحمل يفضي إلى إلغاء دليل التقييد إلا أن الأمر ليس كما قالوا على الإطلاق بل قاعدة الإطلاق والتقييد في المطلق وفي الأمر تباين قاعدته في الكلية والنهي والنفي ، وسر الفرق بين القاعدتين في الأبواب المتقدم ذكرها هو أن صاحب الشرع إذا قال أعتقوا رقبة ثم قال في موطن آخر رقبة مؤمنة كان مدلول قوله رقبة مطلقا فيصدق كلامه من جهة مقتضى الإطلاق بالأمر بواحد غير معين مما فيه الحقيقة فإذا أوقع واحدا أي واحد مما في تلك الحقيقة أجزأ وإن كان الوجود يقتضي التعيين لا الوجوب فمن أعتق سعيدا فقد أعتق رقبة ووفى بمقتضى هذا اللفظ فإذا أعتقنا رقبة مؤمنة فقد وفينا بمقتضى الإطلاق وهو مفهوم الرقبة وبمقتضى التقييد وهو وصف الأيمان فكنا جامعين بين الدليلين .

وإذا قال أخرجوا الزكاة من كل أربعين شاة شاة كما جاء في الحديث { في كل أربعين شاة شاة } وورد بعد ذلك قوله عليه الصلاة والسلام { في الغنم السائمة الزكاة } لم يكن تقييده الغنم الذي مدلوله الكلية والعموم بمقتضى كل لا الإطلاق بالسائمة فمن حمل الإطلاق على التقييد هنا فقد فاته الصواب بسبب أن الحمل يقتضي أن قيد السائمة خصص لفظ الغنم العام وأخرج منه جميع الأغنام المعلوفة والعموم يقتضي وجوب الزكاة فيها فلم يكن الحمل جامعا بين الدليلين بل تاركا لمقتضى العموم وحاملا له على التخصيص مع إمكان عدم التخصيص فلا يكون الدليل الدال على حمل الإطلاق على التقييد موجودا ههنا وهو الجمع بين دليل الإطلاق ودليل التقييد ومن أثبت الحكم بدون موجبه ودليله فقد أخطأ بل هذا يرجع إلى قاعدة أخرى وهي إما تخصيص العموم بذكر بعضه والصحيح عند العلماء أنه باطل لأن البعض لا ينافي الكل وإما تخصيص العموم بمفهوم اللقب الحاصل من قيد السوم في اعتباره وعدم اعتباره خلاف .

وكذلك إذا قال صاحب الشرع لا تعتقوا رقبة ثم قال لا تعتقوا رقبة كافرة لأن لفظ الرقبة الأول من صيغ العموم لأنه نكرة في سياق النهي والنكرة في سياقه كالنكرة في سياق النفي تعم فلو حملنا لفظ الرقبة الأول على الثاني المقيد بالكافرة لكان مخصصا للأول فيخرج منه الرقاب المؤمنة على امتناع العتق والعموم في الأول يقتضي عدم إخراجها فلم يكن في الحمل جمعا بين الدليلين بل التزام للتخصيص بغير دليل وإلغاء للعموم من غير موجب بخلاف هذه النكرة لو كانت في سياق الأمر [ ص: 196 ] فإنها حينئذ لا تكون عامة بل مطلقة فيكون حملها على نص التقييد جمعا بين الدليلين وبالجملة فحمل الإطلاق على التقييد إنما يتصور في المطلق لا في العموم ولا في الأمر وخبر الثبوت لا في النهي وخبر النفي لأن خبر النفي كقولنا ليس في الدار أحد يقع نكرة في سياق النفي فيعم فيئول الحال إلى الكلية والعموم دون الإطلاق وخبر الثبوت نحو في الدار رجل هو كالأمر لا تعم النكرة في سياقه بل تكون مطلقة فنص الإمام فخر الدين في المحصول وغيره من العلماء على التسوية بين الأمر والنهي ليس بصحيح فتأمل ذلك

( وصل ) في توضيح هذا الفرق بأربع مسائل ( المسألة الأولى ) حمل الإطلاق على التقييد في المطلق دون العام لا يراه الحنفية ويراه الشافعية و إنما تركوا أصلهم فيما ورد عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم { إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا إحداهن بالتراب وورد أولاهن بالتراب } لأن المطلق في هذا الحديث ورد مقيدا بقيدين متضادين لأنه كما ورد { أولاهن } ورد { أخراهن } وشرط العمل بهذا الأصل أن يقيد المطلق بقيد واحد لا بقيدين متضادين وإلا تساقطا لتعذر الجمع بينهما ما لم يترجح أحدهما باقتضاء القياس حمل المطلق عليه وهنا لم يقتض القياس الحمل على أحد القيدين حتى يترجح فوجب بقاء المطلق على إطلاقه فلم تترك الشافعية أصلهم لغير موجب خلافا لقاضي القضاة صدر الدين الحنفي وأما أصحابنا المالكية فلم يعرجوا على هذا الحديث المطلق ولا على قيديه بل اقتصروا على سبع من غير تراب قال الأصل وأنا متعجب من ذلك مع وروده في الأحاديث الصحيحة ا هـ وفي حاشية حجازي على المجموع عند قوله ولا تتريب ما نصه لأنه لم يثبت في كل الروايات ومحل قبول زيادة العدل إن لم يكن غيره الذي لم يزد أوثق ولاختلاف الطرق الدالة عليه ففي بعضها إحداهن وفي بعضها { أولاهن } وفي بعضها { أخراهن } ا هـ فتأمل قلت ومما ورد مطلقا ومقيدا بقيدين متضادين حديث الابتداء فقد ورد { كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بذكر الله تعالى فهو أبتر } وورد ببسم الله إلخ وورد بالحمد لله فلذا كان المطلوب في ابتداء ذوات البال مطلق الذكر فتنبه ( المسألة الثانية ) أخذ الشافعي بعموم الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم { أنه نهى عن بيع ما لم يقبض } وخصص أصحابنا المنع بالطعام خاصة وجوزوا بيع غيره قبل قبضه أخذا بما ورد أيضا من { نهيه صلى الله تعالى عليه وسلم عن بيع الطعام قبل قبضه } ولهم في الأخذ به مدركان أحدهما أنه من باب حمل الإطلاق في الأول على التقييد في الثاني وثانيهما أن الأول عام والثاني خاص وإذا تعارض العام والخاص قدم الخاص على العام والمدركان باطلان أما الأول فلأن حمل الإطلاق على التقييد إنما يعتبر عند من يقول به في المطلق لا في العام ولفظ ما في الحديث من قوله عليه الصلاة والسلام ما لم يقبض عام فلا يصح حمله على تقييد الثاني لما علمت وأما الثاني فلأنه من باب تخصيص العموم بذكر بعضه وهو باطل كما تقرر في أصول الفقه فإنه لا منافاة بين ذكر الشيء وذكر بعضه والطعام هو بعض ما تناوله عموم ما لم يقبض في الحديث الأول فلا يصح تخصيصه به فبقيت المسألة مشكلة علينا ويظهر أن الصواب مع الشافعي [ ص: 197 ] المسألة الثالثة ) تمسك مالك رحمه الله تعالى بالإطلاق في قوله تعالى { لئن أشركت ليحبطن عملك } فقال من ارتد حبط عمله بمجرد ردته والشافعي رحمه الله تعالى يحمل إطلاقه على التقييد في قوله تعالى في الآية الأخرى { ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } فقال لا يحبط عمله إلا بالوفاة على الكفر وما قاله الشافعي هو الأصح وإن ادعى الأصل أن الآية الثانية ليست مقيدة للآية الأولى وذلك لأنا وإن سلمنا أن الآية الثانية رتب فيها مشروطان هما الحبوط والخلود على شرطين هما الردة والوفاة على الكفر وأنه إذا رتب مشروطان على شرطين أمكن التوزيع إلا أنا لا نسلم إمكان التوزيع حينئذ مطلقا ولو لم يصح استقلال كل من المشروطين بدون الآخر كما هنا لأنهما سبب ومسبب والسبب لا يستغني عن مسببه وبالعكس حتى يتأتى التوزيع هنا بجعل الحبوط لمطلق الردة والخلود لأجل الوفاة على الكفر فيبقى المطلق على إطلاقه ولا يتعين أن كل واحد من الشرطين شرط في الإحباط فلا تكون الآيتان من باب حمل المطلق على المقيد بل إنما يمكن التوزيع حينئذ بشرط أن يصح استقلال كل واحد من المشروطين عن الآخر فليس الأمر في دعواه كما زعم فافهم ( المسألة الرابعة ) قول الشافعي رحمه الله تعالى لا يجوز التيمم بغير التراب تمسكا بأنه ورد قوله عليه الصلاة والسلام { جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، وورد وترابها طهورا } لا يصح سواء كان مدركه أنه من باب حمل المطلق على المقيد أو أنه من باب تخصيص العموم بذكر بعضه أما على الأول فلأن الأرض في الرواية الأولى عام كلية لا مطلق وقد تقدم أن حمل الإطلاق على التقييد إنما يصح في المطلق لا في العام وأما على الثاني فقد مر أن تخصيص العموم بذكر بعضه باطل فأصاب الشافعي من الإشكال في هذه المسألة ما أصاب أصحابنا في مسألة بيع الطعام قبل قبضه حرفا بحرف والله سبحانه وتعالى أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث