الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                        [ ص: 431 ] فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك [102]

                                                                                                                                                                                                                                        قال أبو جعفر : فاختلف العلماء في المأمور بذبحه، فقال أكثرهم: الذبيح إسحاق، فممن قال ذلك العباس بن عبد المطلب وابنه عبد الله ذلك الصحيح عنه، ورواه الثوري عن داود بن أبي هند ، عن عكرمة عن ابن عباس قال: المفدي إسحاق. وروى الثوري وابن جريج عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: الذبيح إسحاق وهذا هو الصحيح عن عبد الله بن مسعود ، رواه شعبة عن أبي إسحاق عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود أن رجلا قال: أنا ابن الأشياخ الكرام. فقال عبد الله : ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله. وقد روى حماد بن زيد عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم صلوات الله عليهم أجمعين". وروى أبو الزبير عن جابر قال: الذبيح إسحاق وذلك مروي أيضا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وعبد الله بن عمر أن الذبيح إسحاق عليه السلام، فهؤلاء ستة من الصحابة، ومن التابعين وغيرهم منهم علقمة والشعبي ومجاهد وسعيد بن جبير وعبد الله بن أبي الهذيل ومالك بن أنس وكعب الأحبار قالوا: الذبيح إسحاق صلى الله عليه وسلم. قال أبو جعفر : أما من قال: هو إسماعيل صلى الله عليه وسلم فأبو هريرة وهو يروي عن ابن عمر، ثم تكلم العلماء بعد ذلك فمنهم من قال: نص التأويل يدل على أنه إسماعيل عليه السلام لأن الله جل وعز قال: وبشرناه بإسحاق نبيا فكيف يأمره بذبحه وقد وعده أن يكون نبيا فهذا قد قيل، وليس [ ص: 432 ] بقاطع والله جل وعز أعلم لأن لبشارة بنبوته في ما روي بشارة ثابتة بعد الأمر بذبحه ثوابا على ما كان منه، فأما وعده بأن يكون من إسحاق ابن، فكيف يأمره بذبحه فقد يجوز أن يكون ولد لإسحاق غير ولد لأنه قد بلغ السعي فظاهر التنزيل يدل على أن الذبيح إسحاق لأنه أخبر جل وعز أنه فدى الغلام الحليم الذي بشر به إبراهيم حين قال: هب لي من الصالحين فإذا كان المفدى هو المبشر به، وقد بين أن الذي بشر به هو إسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب ، وأن كل موضع من القرآن ذكر بتبشيره إياه بولد فهو إسحاق نبيا أي بتبشيره إياه بقوله: فبشرناه بغلام حليم إنما هو إسحاق فأما اعتلال من اعتل بأن قرني الكبش كانا معلقين في الكعبة فليس يمتنع أن يكون حمل من الشام إلى مكة على أن جماعة من العلماء قد قالوا كان الأمر بالذبح. فأما قوله: إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى فمن المشكل، وقد تكلم العلماء في معناه فقال بعضهم: كان إبراهيم صلى الله عليه وسلم أمر إذا رأى رؤيا فيها كذا وكذا أن يذبح ابنه واستدل صاحب هذا القول بأنها في قراءة ابن مسعود (إني أرى في المنام أفعل ما أمرت به) فهذه قراءة على التفسير دالة على أنه أمر بهذا قبل إذ كان مما لا يؤتى مثله برؤيا وقال صاحب هذا القول: وقد ذبحه إبراهيم صلى الله عليه وسلم لأن معنى ذبحت الشيء قطعته، وليس هذا مما يجوز أن ينسخ بوجه. واستدل عليه بقول مجاهد : قال إسحاق لإبراهيم عليهما السلام: لا تنظر إلى وجهي وترحمني، ولكن اجعل وجهي إلى الأرض فأخذ إبراهيم السكين فأمرها على خلفة فانقلبت فقال له: ما لك؟ فقال: انقلبت السكين، قال: اطعني بها طعنة ففعل، ثم فداه الله جل وعز. قال ابن [ ص: 433 ] عباس: فداه الله بكبش قد رعى في الجنة أربعين سنة. وقال الحسن : ما فدى الله إسماعيل إلا بتيس من الأروى أهبط عليه من ثبير. قال أبو إسحاق : يقال: إنه فدي بوعل والوعل التيس الجبلي. وأهل التفسير على أنه فدي بكبش. فانظر ماذا ترى أي ماذا تأتي به من رأيك. وقرأ أهل الكوفة إلا عاصما (فانظر ماذا تري) قال الفراء : المعنى فانظر ماذا تري من صبرك أو جزعك، وأما غيره فقال: معناه ماذا تشير وأنكر أبو عبيد "تري"، وقال: إنما يكون هذا من رؤية العين خاصة. وكذا قال أبو حاتم . قال أبو جعفر : وهذا غلط هذا يكون من رؤية العين وغيرها وهو مشهور يقال: أريت فلانا الصواب وأريته رشده، وهذا ليس من رؤية العين قال يا أبت افعل ما تؤمر والقول الآخر في رؤيا إبراهيم صلى الله عليه وسلم أنه لم يعزم على ذبحه من أجل الرؤيا، وإنما أضجعه ينظر الأمر ألا ترى أنه قال: يا أبت افعل ما تؤمر أي إن أمرت بشيء فافعله.

                                                                                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية