الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الرخصة في لبنة الثوب من ديباج

3855 باب: الرخصة في لبنة الثوب من ديباج

وأورده النووي في: (باب: تحريم استعمال إناء الذهب والفضة.. إلخ).

(حديث الباب)

وهو بصحيح مسلم \ النووي ص 42، 43، جـ 14 المطبعة المصرية

[ عن عبد الله (مولى أسماء بنت أبي بكر )، وكان خال ولد عطاء ؛ قال: أرسلتني أسماء إلى عبد الله بن عمر . فقالت: بلغني أنك تحرم أشياء ثلاثة: العلم في الثوب، وميثرة الأرجوان، وصوم رجب كله. فقال لي عبد الله : أما ما ذكرت من رجب؛ فكيف بمن يصوم الأبد؟ وأما ما ذكرت من العلم في الثوب؛ فإني سمعت عمر بن الخطاب ، يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: إنما يلبس الحرير من لا خلاق له . فخفت أن يكون العلم منه. وأما ميثرة الأرجوان؛ فهذه ميثرة عبد الله . فإذا هي أرجوان.

[ ص: 27 ] فرجعت إلى أسماء فخبرتها، فقالت: هذه جبة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأخرجت إلي جبة طيالسة كسروانية، لها لبنة ديباج. وفرجيها مكفوفين بالديباج. فقالت: هذه كانت عند عائشة حتى قبضت. فلما قبضت؛ قبضتها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يلبسها. فنحن نغسلها للمرضى؛ يستشفى بها
.

التالي السابق


(الشرح)

(عن عبد الله، مولى أسماء بنت أبي بكر، وكان خال ولد عطاء؛ قال: أرسلتني أسماء إلى عبد الله بن عمر)، رضي الله عنهم. (فقالت: بلغني أنك تحرم أشياء ثلاثا: العلم في الثوب، وميثرة الأرجوان).

"الميثرة": بكسر الميم وبالثاء: "مفعلة". مأخوذة من "الوثارة". يقال: "وثر" بضم الثاء، "وثارة" بفتح الواو. فهو "وثير". أي: وطيء لين.

"والوثارة": هي اللين والنعمة. وياء "ميثرة" واو. ولكنها قلبت لكسر ما قبلها، كميزان وميعاد.

قال النووي : قال العلماء: هي "وطاء"، كانت النساء [ ص: 28 ] يصنعنه لأزواجهن على السروج. وكان من مراكب العجم. ويكون من الحرير، ويكون من الصوف وغيره. وقيل: أغشية للسروج؛ تتخذ من الحرير. وقيل: هي سروج من الديباج. وقيل: هي شيء كالفراش الصغير، تتخذ من حرير، تحشى بقطن أو صوف، يجعلها الراكب على البعير تحته، فوق الرحل.

"والأرجوان": بضم الهمزة والجيم. وهو الصواب المعروف، في روايات الحديث، وفي كتب الغريب، وفي كتب اللغة وغيرها. وكذا صرح به "القاضي". في "المشارق".

وفي شرحه؛ في موضعين منه: بضم الجيم وفتح الهمزة. قال النووي : وهذا غلط ظاهر؛ من النساخ، لا من القاضي. فإنه صرح في "المشارق": بضم الهمزة. قال أهل اللغة وغيرهم: هو صبغ أحمر، شديد الحمرة. هكذا قاله أبو عبيد والجمهور. وقال الفراء: هو الحمرة. وقال ابن فارس: هو كل لون أحمر. وقيل: هو الصوف الأحمر. وقال الجوهري : هو شجر له نور أحمر، أحسن ما يكون.

قال: وهو معرب. وقال آخرون: هو عربي. قالوا: والذكر والأنثى فيه: سواء. يقال: هذا ثوب أرجوان. وهذه قطعة أرجوان. وقد يقولونه على الصفة. ولكن الأكثر في استعماله: إضافة الأرجوان إلى [ ص: 29 ] ما بعده. ثم إن أهل اللغة ذكروه في (باب: الراء والجيم والواو). وهذا هو الصواب. ولا يغتر بذكر عياض له في "المشارق"؛ في (باب: الهمزة والراء والجيم). ولا بذكر ابن الأثير له في (باب: الراء والجيم والنون). والله أعلم بالصواب.

(وصوم رجب كله. فقال لي عبد الله: أما ما ذكرت من رجب؛ فكيف بمن يصوم الأبد؟ وأما ما ذكرت من العلم في الثوب؛ فإني سمعت عمر بن الخطاب) رضي الله عنه؛ (يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه) وآله (وسلم؛ يقول: "إنما يلبس الحرير: من لا خلاق له). فخفت أن يكون العلم منه. وأما ميثرة الأرجوان؛ فهذه ميثرة عبد الله. فإذا هي أرجوان).

أما جواب صوم رجب؛ فإنكار منه؛ لما بلغها عنه من تحريمه، وإخبار بأنه: يصوم رجب كله، وأنه: يصوم الأبد. والمراد "بالأبد": ما سوى أيام العيدين والتشريق. وهذا مذهبه، ومذهب أبيه، وعائشة، وأبي طلحة، وغيرهم - رضي الله عنهم - من سلف الأمة. ومذهب الشافعي وغيره من العلماء: أنه لا يكره صوم الدهر. والصواب: كراهته؛ لحديث: "لا صام ولا أفطر".

[ ص: 30 ] وأما العلم؛ فلم يعترف بأنه كان يحرمه. بل أخبر أنه تورع منه؛ خوفا من دخوله في: عموم النهي عن الحرير.

وأما الميثرة؛ فأنكر ما بلغها عنه. وقال: هذه ميثرتي. وهي أرجوان. والمراد: أنها "حمراء"، وليست من حرير. بل من صوف أو غيره.

قال النووي : إنها قد تكون من صوف، وقد تكون من حرير. وإن الأحاديث الواردة في النهي عنها؛ مخصوصة بالتي هي من الحرير.

(فرجعت إلى أسماء فأخبرتها. فقالت: هذه جبة رسول الله صلى الله عليه) وآله (وسلم. فأخرجت إلي جبة طيالسة)؛ بإضافة "جبة" إلى "طيالسة"، كما ذكره "ابن رسلان": في شرح السنن، " والنووي ".

"والطيالسة": جمع "طيلسان"؛ بفتح اللام، على المشهور. قال جماهير أهل اللغة: لا يجوز فيه غير فتح اللام. وعدوا كسرها في: تصحيف العوام. وذكر عياض في "المشارق"، في حرف السين والياء، في تفسير الساج: أن "الطيلسان"، يقال بفتح اللام، وضمها، وكسرها. وهذا غريب ضعيف.

[ ص: 31 ] قال في النيل: وهو كساء غليظ. والمراد: أن الجبة غليظة؛ كأنها من طيلسان.

(كسروانية)؛ بكسر الكاف وفتحها. والسين ساكنة. والراء مفتوحة. ونقل عياض: أن جمهور الرواة؛ رووه بكسر الكاف. وهو نسبة إلى: "كسرى"، صاحب العراق، ملك الفرس. وفيه: كسر الكاف وفتحها.

قال: ورواه الهروي، في مسلم ، فقال: "خسروانية".

(لها لبنة ديباج)؛ بكسر اللام وإسكان الباء. هكذا ضبطها عياض وسائر الشراح. وكذا هي في كتب اللغة والغريب. قالوا: "وهي رقعة في جيب القميص". هذه عبارتهم كلهم.

(وفرجيها مكفوفين بالديباج). كذا وقع في جميع النسخ. وهما منصوبان بفعل محذوف. أي: ورأيت فرجيها مكفوفين.

ومعنى "المكفوف": أنه جعل لها "كفة"؛ بضم الكاف، وهو ما يكف به جوانبها، ويعطف عليها. ويكون ذلك: في الذيل، وفي الفرجين. "والفرج" في الثوب: الشق: الذي يكون أمام الثوب، وخلفه في أسفلها. وهما المراد بقوله: "فرجيها".

[ ص: 32 ] والحديث: يدل على جواز لبس ما فيه "من الحرير": هذا المقدار. وقد قيل: إن ذلك محمول على أنه أربع أصابع، أو دونها، أو فوقها؛ إذا لم يكن مصمتا. جمعا بين الأدلة. ولكنه يأبى الحمل على الأربع فما دونها: قوله في حديث آخر: "شبر من ديباج". وعلى غير المصمت: قوله: "من ديباج". فإن الظاهر: أنها من "ديباج فقط"، لا منه ومن غيره. إلا أن يصار إلى المجاز للجمع كما ذكر. نعم يمكن: أن يكون التقدير بالشبر، لطول تلك اللبنة، لا لعرضها، فيزول الإشكال.

واستدل النووي بحديث الباب: على جواز لباس الجبة، ولباس ما له فرجان، وأنه لا كراهة فيه.

وأخرج الطبراني؛ من حديث "علي": النهي عن المكفف بالديباج. وسنده ضعيف.

وروى "البزار"؛ من حديث معاذ بن جبل: "أن النبي صلى الله عليه وسلم: رأى رجلا عليه جبة مزررة، أو مكففة: بحرير. فقال له: طوق من نار". وإسناده ضعيف. وقد استدل بهذا: بعض من جوز لبس الحرير. وهو استدلال غير صحيح. لأن لبسه "صلى الله عليه وآله وسلم"، للجبة المكففة بالحرير: لا يدل على جواز لبس الثوب الخالص، الذي هو محل النزاع. ولو فرض أن هذه الجبة - جميعها [ ص: 33 ] حرير خالص: لم يصلح هذا الفعل للاستدلال به على الجواز.

وبالجملة؛ فإخراج أسماء جبة النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، المكفوفة بالحرير، إنما قصدت بها: أن هذا القدر ليس محرما. قال النووي : وهكذا الحكم عند الشافعي وغيره؛ أن الثوب، والجبة، والعمامة، ونحوها: إذا كان مكفوف الطرف بالحرير: جاز، ما لم يزد على أربع أصابع. فإن زاد، فهو حرام. لحديث "عمر" المتقدم.

( فقالت: هذه كانت عند عائشة، حتى قبضت. فلما قبضت، قبضتها. وكان النبي، صلى الله عليه) وآله (وسلم: يلبسها. فنحن نغسلها للمرضى؛ يستشفى بها).

قال النووي : وفي هذا الحديث: دليل، على استحباب التبرك بآثار الصالحين، وثيابهم.

وفيه: أن النهي عن الحرير، المراد به: الثوب المتمحض منه، أو ما أكثره حرير. وأنه ليس المراد: تحريم كل جزء منه. بخلاف الخمر والذهب، فإنه يحرم كل جزء منهما. انتهى.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث