الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب وجوب الصفا والمروة وجعل من شعائر الله

1561 [ ص: 482 ] 79 - باب: وجوب الصفا والمروة وجعل من شعائر الله 1643 - حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال عروة: سألت عائشة رضي الله عنها فقلت لها: أرأيت قول الله تعالى: إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما [البقرة: 158] فوالله ما على أحد جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة. قالت: بئس ما قلت يا ابن أختي، إن هذه لو كانت كما أولتها عليه، كانت لا جناح عليه أن لا يتطوف بهما، ولكنها أنزلت في الأنصار، كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المشلل، فكان من أهل يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فلما أسلموا سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك قالوا: يا رسول الله، إنا كنا نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة، فأنزل الله تعالى إن الصفا والمروة من شعائر الله [البقرة: 158] الآية. قالت عائشة رضي الله عنها: وقد سن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما. ثم أخبرت أبا بكر بن عبد الرحمن، فقال: إن هذا لعلم ما كنت سمعته، ولقد سمعت رجالا من أهل العلم، يذكرون أن الناس -إلا من ذكرت عائشة ممن كان يهل بمناة- كانوا يطوفون كلهم بالصفا والمروة، فلما ذكر الله تعالى الطواف بالبيت، ولم يذكر الصفا والمروة في القرآن، قالوا: يا رسول الله، كنا نطوف بالصفا والمروة، وإن الله أنزل الطواف بالبيت، فلم يذكر الصفا، فهل علينا من حرج أن نطوف بالصفا والمروة؟ فأنزل الله تعالى: إن الصفا والمروة من شعائر الله [البقرة: 158] الآية. قال أبو بكر: فأسمع هذه الآية نزلت في الفريقين كليهما: في الذين كانوا يتحرجون أن يطوفوا بالجاهلية بالصفا والمروة، والذين يطوفون ثم تحرجوا أن يطوفوا بهما في الإسلام من أجل أن الله تعالى أمر بالطواف بالبيت، ولم يذكر الصفا حتى ذكر ذلك بعد ما ذكر الطواف بالبيت. [1790، 4495، 4861- مسلم: 1277 - فتح: 3 \ 497]

[ ص: 483 ]

التالي السابق


[ ص: 483 ] ذكر فيه عن (عروة) قال: سألت عائشة رضي الله عنها فقلت لها: أرأيت قول الله تعالى: إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما [البقرة: 158] .. الحديث بطوله، وقد أخرجه مسلم والأربعة أيضا .

وقوله: (حتى أخبرت أبا بكر بن عبد الرحمن): قائل هذا هو الزهري، كما صرح به مسلم ، وزعم الحميدي أن أبا معاوية الضرير تفرد عن هشام بقوله: إن الأنصار كانوا يطوفون بين الصفا والمروة. وسائر الروايات عن هشام أنه قال: أنهم كانوا لا يطوفون بينهما .

وما ذكرته عائشة رضي الله عنها من بديع فقهها، ومعرفتها بأحكام الألفاظ; لأن الآية الكريمة إنما اقتضى ظاهرها رفع الحرج عمن طاف بين الصفا والمروة، وليس بنص في سقوط الوجوب، فأخبرته أن ذلك محتمل، ولو كان نصا في ذلك لكان يقول: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما; لأن هذا يتضمن سقوط الإثم عمن ترك الطواف، ثم أخبرته أن ذلك إنما كان بسبب الأنصار، وقد يكون الفعل واجبا ويعتقد المعتقد أنه قد منع من إيقاعه على صفة، وهذا كمن عليه صلاة ظهر فيظن أن [ ص: 484 ] لا يسوغ له إيقاعها بعد المغرب، فيسأل فيقال: لا حرج عليك إن صليت، فيكون الجواب صحيحا، ولا يقتضي نفي وجوب الظهر عليه، وقد جاء أن الأنصار قالوا: إنما أمرنا بالطواف ولم نؤمر بين الصفا والمروة، فنزلت الآية، وعروة أول الآية بأن لا شيء عليه في تركه; لأن هذا اللفظ أكثر ما يستعمل في المباح دون الواجب، ولكن سببه أنه خوطب به من رأى الحرج فيه.

وجاء أن من العرب من كان يقول: إن طوافنا بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية، فقال أبو بكر بن عبد الرحمن: أراها نزلت في هؤلاء وهؤلاء.

وفي "أسباب النزول" للواحدي: قال ابن عباس: كان على الصفا صنم على صورة رجل، يقال له إساف، وعلى المروة صنم على صورة امرأة تدعى نائلة، يزعم أهل الكتاب أنهما زنيا في الكعبة، فمسخا حجرين، فوضعا على الصفا; ليعتبر بهما، فلما طالت المدة عبدا، فكان أهل الجاهلية إذا طافوا بينهما مسحوا الوثنين، فلما جاء الإسلام، وكسرت الأصنام، كره المسلمون الطواف بينهما; لأجل الصنمين، فنزلت هذه الآية .

وقال السدي: كان في الجاهلية تعزف الشياطين في الليل بين الصفا والمروة، وكانت بينهما آلهة، فلما ظهر الإسلام قال المسلمون: يا رسول الله، لا نطوف بينهما فإنه شرك كنا نصنعه في الجاهلية، فنزلت الآية .

[ ص: 485 ] وقال الفراء: فيما نقله الأزهري: كانت العرب عامة لا يرون الصفا والمروة من الشعائر، فلا يطوفون بينهما، فأنزل الله تعالى: لا تحلوا شعائر الله [المائدة: 2] أي: لا تستحلوا ترك ذلك .

وفي "معانيه": كره المسلمون الطواف بينهما لصنمين كانا عليهما، فكرهوا أن يكون ذلك تعظيما لهما .

وقال أبو عبيدة: شعائر الله واحدها شعيرة . وقيل: شعارة، حكاه في "الموعب" و"المطالع"، وهو ما أشعر الهدي إلى الله تعالى.

وقال الزجاج: هي جميع متعبدات الله التي أشعرها الله، أي: جعلها أعلاما لنا، وهي كل ما كان من موقف أو سعي وذبح، وإنما قيل: شعائر لكل علم مما تعبد به.

وقال الحسن: شعائره: دينه. وقال السجستاني في "مصاحفه": وجدت في مصحف أبي بن كعب: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما .

وقال الزمخشري: هي قراءة ابن مسعود ، زاد غيره: وابن عباس.

وقال الزجاج: يجوز: أن يطوف، وأن يطوف ويتطوف، فالثاني على الإدغام، لقرب مخرج التاء من الطاء، ومن ضم أوله، فهو من طوف إذا أكثر التطواف.

إذا تقرر ذلك: فاختلف العلماء في السعي بينهما، فروي عن ابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس أنه غير واجب، ولا دم في تركه.

[ ص: 486 ] وحكي أيضا عن أنس وابن الزبير وابن سيرين، وقال عطاء والحسن وقتادة والثوري: هو واجب، يجبر بدم .

وعن عطاء: سنة لا شيء فيه ، وبه قال الكوفيون، وقالت عائشة: هو فرض لا يصح الحج إلا به .

وبه قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود، ويأمرون من بقي عليه منه شيء بالرجوع إليه من بلده، فإذا كان وطئ النساء قبل أن يرجع كان عليه إتمام حجه أو عمرته، وحج قابل والهدي ، كذا حكاه ابن بطال عنهم ، ونقل المروذي عن أحمد أنه مستحب، واختيار القاضي وجوبه وانجباره بالدم .

قال ابن قدامة: وهو أقرب إلى الحق . وعن طاوس: من ترك منه أربعة أشواط لزمه دم، وإن ترك دونها لزمه لكل شوط نصف صاع، وليس هو بركن.

وذكر ابن القصار، عن القاضي إسماعيل: أنه ذكر عن مالك فيمن تركه حتى تباعد فأصاب النساء أنه يجزئه ويهدي.

[ ص: 487 ] احتج من لم يره واجبا بقراءة من قرأ: (فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما) فعلى هذا لا جناح عليه في تركه، كما قالته عائشة.

واحتج بعضهم بقراءة الجماعة وقالوا: الآية تقتضي أن يكون السعي مباحا لا واجبا; كقوله تعالى: فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة [النساء: 101] والقصر مباح لا واجب، وبقول عائشة في هذا الحديث: (وقد سن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الطواف بينهما).

والجواب: أن عائشة قد ردت على عروة تأويل المخالف في الآية وقالت: (بئس ما قلت يا ابن أختي، إن الآية لو كانت كما أولتها لكان: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، وإنما نزلت في الأنصار الذين كانوا يتحرجون في الجاهلية أن يطوفوا بينهما، وفي الذين كانوا يطوفون في الجاهلية، ثم تحرجوا أن يطوفوا في الإسلام)، وهذا يبطل تأويلهم; لأن عائشة علمت سبب الآية، وضبطته، وتفسير الراوي مقدم على غيره، والمراد بقولها: أنه - صلى الله عليه وسلم - سنه، أي: جعله طريقة، لا كما تحرجوا منه، وقد صح من مذهبها أنه فرض، كما قاله ابن بطال ، وإن حكى الخطابي عنها: أنه تطوع ، وأما القراءة الأولى فشاذة، وقد يجوز أن ترجع إلى معنى المشهورة; لأن العرب تصل بلا وتزيدها كقوله تعالى: لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة [القيامة: 1 - 2 ]، وكقوله:

[ ص: 488 ] فلا أقسم بمواقع النجوم [الواقعة: 75]، و فلا أقسم برب المشارق والمغارب [المعارج: 40] أقسم بيوم القيامة، وأقسم بكل ما ذكر و ما منعك ألا تسجد [الأعراف: 12] أي: ما منعك أن تسجد، فيحتمل قول عائشة لعروة: (كلا لو كانت كما تقول كانت: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما) على معنى الصلة التي رجع بها إلى معنى قوله: أن يطوف بهما ، وقد جعلهما من شعائره: وهي العلامات، وقد قال تعالى: ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب .

وقال الشارع لما طاف بهما: "نبدأ بما بدأ الله به" وقال: "خذوا عني مناسككم" وطاف بينهما.

ودل حديث حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: ما تمت حجة أحد ولا عمرته، لم يطف بين الصفا والمروة - أن ذلك مما لا يكون مأخوذا من جهة الرأي، وإنما يؤخذ من جهة التوقيف، وقولها ذلك يدل على وجوب السعي بينهما في الحج والعمرة جميعا.

قال ابن المنذر: إن ثبت حديث بنت أبي تجراة : "اسعوا فإن الله [ ص: 489 ] كتب عليكم السعي" فالسعي ركن، كما قال الشافعي وإلا فهو [ ص: 490 ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[ ص: 491 ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[ ص: 492 ] تطوع .

قال ابن عبد البر: تفرد به عبد الله بن المؤمل، وكان سيئ الحفظ، ولا نعلم له خربة تسقط عدالته .

وزعم بعض الشافعية: أن الآية الكريمة تم الكلام فيها عند قوله: فلا جناح ، ثم ابتدأ فقال: عليه أن يطوف بهما .

والجواب: أن الأمر يقتضي رفع الجناح والحرج عمن تطوف بهما، والكلام فيمن سعى بينهما.

فائدة:

مناة: صنم كان نصبه عمرو بن لحي لجهة البحر. قال ابن الكلبي: وقيل: هي صخرة لهذيل بقديد، سميت مناة لأن النسائك كانت تجبى بها أي: تراق.

وقال الحازمي: هي على سبعة أميال من المدينة، وإليه نسبوا زيد مناة، والمشلل: -بضم الميم وفتح الشين المعجمة ولامين الأولى مفتوحة- الجبل الذي يهبط منه إلى قديد من ناحية البحر.

[ ص: 493 ] وقال البكري: هي ثنية مشرفة على قديد . وقال ابن التين: هي عند الجحفة. وفي رواية أبي معاوية: أن الأنصار كانوا يهلون لصنمين على شط البحر يقال لهما: إساف ونائلة ، وإساف بن بغي، ونائلة بنت ديك، قاله ابن إسحاق وغيره ، ووقع في كلام القرطبي: ابن بغا، ويقال: عمرو، ونائلة بنت سهيل، ويقال: ذئب، والمعروف ما قدمناه.

قال: ولم يكونا قط على شاطئ البحر، وإنما كانا -فيما يقال- من جرهم زنيا في الحرم داخل الكعبة، فمسخا حجرين، فنصبا عند الكعبة.

وقيل: على الصفا والمروة; ليعتبر بهما الناس، ثم حولهما قصي بن كلاب، فجعل أحدهما ملاصق الكعبة والآخر بزمزم.

وقيل: جعلهما بزمزم ونحر عندهما، وأمر بعبادتهما . وما ذكره من أن قصيا هو الذي نحر عندهما خلاف ما ذكره الأزرقي أن فاعل ذلك عمرو بن لحي الذي ابتدع عبادة الأوثان .

وذكر الواقدي أن نائلة حين أمر الشارع بكسرها عام الفتح خرجت منها سوداء شمطاء تخمش وجهها، وتنادي بالويل والثبور، وهادمها أبو سفيان فيما ذكره ابن هشام، ويقال: علي بن أبي طالب.

فائدة أخرى: قوله: (قال أبو بكر -يعني: ابن عبد الرحمن- فأسمع هذه الآية نزلت في الفريقين كليهما: في الذين كانوا يتحرجون أن يطوفوا [ ص: 494 ] في الجاهلية بالصفا والمروة، والذين يطوفون ثم تحرجوا في الإسلام)، يحتمل أن يكون: (فاسمع) أمرا.

قال ابن التين: وكذلك هو مضبوط في الأصل، ويحتمل أن يكون خبرا عن نفسه. قلت: وهو ما ضبطه الدمياطي بخطه. وعلى الوجهين، فإن الآية نزلت فيمن خاف الحرج إذا طاف بينهما.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث