الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب في صبغ الشعر وتغيير الشيب

3925 باب: في صبغ الشعر، وتغيير الشيب

وقال النووي : (باب: استحباب خضاب الشيب بصفرة أو حمرة، وتحريمه بالسواد).

(حديث الباب)

وهو بصحيح مسلم \ النووي ص 79 جـ 14 المطبعة المصرية

[عن جابر بن عبد الله ؛ قال: أتي بأبي قحافة ؛ يوم فتح مكة ورأسه ولحيته كالثغامة بياضا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : غيروا هذا بشيء، واجتنبوا السواد " ].

التالي السابق


(الشرح)

(عن جابر بن عبد الله) رضي الله عنهما؛ (قال: أتي بأبي قحافة) رضي الله عنه؛ (يوم فتح مكة، ورأسه ولحيته كالثغامة بياضا). [ ص: 57 ] "أبو قحافة": بضم القاف وتخفيف الحاء. اسمه: "عثمان"، وهو والد أبي بكر الصديق "رضي الله عنهما"، أسلم يوم فتح مكة.

"وثغامة": بفتح الثاء، ثم غين مخففة. قال أبو عبيد: هو نبت أبيض الزهر والثمر، يشبه بياض الشيب به. وقال ابن الأعرابي: شجرة مبيضة، كأنها الثلج.

قال في القاموس: "الثغام" كسحاب: نبت. واحدته بهاء. "وأثغماء": اسم الجمع. "وأثغم الوادي": أنبته. "والرأس": صار كالثغامة بياضا. "ولون ثاغم": أبيض كالثغام.

(فقال رسول الله، صلى الله عليه) وآله (وسلم: "غيروا هذا بشيء، واجتنبوا السواد").

الحديث: يدل على مشروعية تغيير الشيب، وأنه غير مختص باللحية. وعلى كراهة الخضاب بالسواد. وبذلك قال جماعة من العلماء.

قال النووي : والصحيح؛ بل الصواب: أنه حرام. يعني: الخضاب بالسواد. وممن صرح به: صاحب الحاوي. انتهى.

[ ص: 58 ] وقد أخرج أبو داود والنسائي - من حديث ابن عباس - يرفعه: "يكون قوم يخضبون في آخر الزمان بالسواد، كحواصل الحمام؛ لا يريحون رائحة الجنة". قال المنذري: وفي إسناده: عبد الكريم.. ولم ينسبه أبو داود ، ولا النسائي. انتهى. وهو الحريري، كما وقع في بعض نسخ السنن.

وقد ورد في استحباب خضاب الشيب وتغييره: أحاديث؛ منها: ما أخرجه الترمذي بلفظ: "غيروا الشيب، ولا تشبهوا باليهود". ومنها: ما سيأتي.

قال النووي : مذهبنا: استحباب خضاب الشيب للرجل والمرأة، بصفرة. ويحرم: خضابه بالسواد؛ على الأصح. وقيل: يكره كراهة تنزيه. والمختار: التحريم؛ لقوله صلى الله عليه) وآله (وسلم: "واجتنبوا السواد". انتهى.

[ ص: 59 ] قال عياض: اختلف السلف من الصحابة والتابعين، في الخضاب وفي جنسه.

فقال بعضهم: ترك الخضاب أفضل. ورووا حديثا عن النبي، صلى الله عليه وآله وسلم؛ في النهي عن تغيير الشيب. ولأنه صلى الله عليه وآله وسلم: لم يغير شيبه. روي هذا عن عمر، وعلي، وأبي، وآخرين.

وقال آخرون: الخضاب أفضل. وخضب جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم؛ للأحاديث الواردة في ذلك، عند مسلم وغيره. ثم اختلف هؤلاء؛ فكان أكثرهم يخضب بالصفرة. ومنهم: ابن عمر، وأبو هريرة، وآخرون. وروي ذلك عن علي. وخضب جماعة منهم: بالحناء والكتم. وبعضهم: بالزعفران. وخضب جماعة: بالسواد. روي ذلك عن: عثمان، والحسن والحسين ابني علي، وعقبة بن عامر، وابن سيرين، وأبي بردة، وآخرين.

قال عياض: قال الطبراني: الصواب: أن الآثار المروية عن النبي، صلى الله عليه وآله وسلم؛ بتغيير الشيب، وبالنهي عنه: كلها صحيحة وليس فيها تناقض. بل الأمر بالتغيير: لمن شيبه كشيب أبي قحافة. والنهي: لمن له شمط فقط. قال: واختلاف السلف [ ص: 60 ] في فعل الأمرين: بحسب اختلاف أحوالهم في ذلك. مع أن الأمر والنهي في ذلك: ليس للوجوب؛ بالإجماع. ولهذا؛ لم ينكر بعضهم على بعض: خلافه في ذلك. ولا يجوز أن يقال: فيهما ناسخ ومنسوخ.

قال عياض: وقال غيره: هو على حالين:

فمن كان في موضع، عادة أهله: الصبغ أو تركه؛ فخروجه عن العادة: شهرة، ومكروه.

والثاني: أنه يختلف باختلاف نظافة الشيب؛ فمن كان شيبته تكون نقية أحسن منها مصبوغة؛ فالترك أولى. ومن كانت شيبته تستبشع؛ فالصبغ أولى. قال النووي : هذا ما نقله القاضي. والأصح الأوفق للسنة: ما قدمناه عن مذهبنا.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث