الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

عود إلى كتاب النقض على المريسي

وقال أيضا في كتاب النقض على المريسي: "وادعيت أيها المريسي في قول الله عز وجل: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة [ سورة الأنعام: 210] وفي قوله: هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك [ سورة الأنعام: 158] فادعيت أن هذا ليس منه بإتيان، لما أنه غير متحرك عندك، [ ص: 67 ] ولكن يأتي بالقيامة بزعمك، وقوله: يأتيهم الله في ظلل من الغمام : يأتي الله بأمره في ظلل من الغمام، ولا يأتي هو بنفسه. ثم زعمت أن معناه كمعنى قوله: فأتى الله بنيانهم من القواعد [ سورة النحل: 26] فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا [ سورة الحشر: 2].

فيقال لهذا المريسي: قاتلك الله! ما أجرأك على الله وعلى كتابه بلا علم ولا بصر! أنبأك الله أنه إتيان، وتقول: ليس بإتيان، إنما هو كقوله: فأتى الله بنيانهم من القواعد [ سورة النحل: 26].

لقد ميزت بين ما جمع الله، وجمعت بين ما ميز الله، ولا يجمع بين هذين التأويلين إلا كل جاهل بالكتاب والسنة ؛ لأن تأويل كل واحد منهما مقرون به في سياق القراءة، لا يجهله إلا مثلك.

وقد اتفقت الكلمة من المسلمين أن الله فوق عرشه، فوق سماواته، وأنه لا ينزل قبل يوم القيامة لعقوبة أحد من خلقه، ولم يشكوا أنه ينزل يوم القيامة ليفصل بين عباده ويحاسبهم ويثيبهم، وتشقق السماوات يومئذ لنزوله، وتنزل الملائكة تنزيلا، ويحمل عرش ربك [ ص: 68 ] فوقهم يومئذ ثمانية، كما قال الله ورسوله. فلما لم يشك المسلمون أن الله لا ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة لشيء من أمور الدنيا، علموا يقينا أن ما يأتي الناس من العقوبات إنما هو من أمره وعذابه.

فقوله: فأتى الله بنيانهم من القواعد يعني مكره من قبل قواعد بنيانهم فخر عليهم السقف من فوقهم [ سورة النحل: 26] فتفسير هذا الإتيان خرور السقف عليهم من فوقهم، وقوله: فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا مكر بهم وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين [ سورة الحشر: 2]، وهم بنو النضير، فتفسير الإتيانين مقرون بهما، فخرور السقف والرعب، وتفسير إتيان الله يوم القيامة منصوص في الكتاب مفسر.

قال الله تعالى: فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة فيومئذ وقعت الواقعة وانشقت السماء فهي يومئذ واهية والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية [ سورة الحاقة: 13 - 18] إلى قوله تعالى: هلك عني سلطانيه [ سورة الحاقة: 29]، فقد فسر الله المعنيين تفسيرا لا لبس فيه [ ص: 69 ] ولا يشتبه على ذي عقل، فقال فيما يصيب به من العقوبات في الدنيا: أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس [ سورة يونس: 24] فحين قال: أتاها أمرنا علم أهل العلم أن أمره ينزل من عنده من السماء وهو على عرشه، فلما قال: فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة [ سورة الحاقة: 13] الآيات التي ذكرناها، وقال أيضا: ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا [ سورة الفرقان: 25] و يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور [ سورة البقرة: 210] و دكت الأرض دكا دكا وجاء ربك والملك صفا صفا [ سورة الفجر: 21، 22] علم بما نص الله عليه من الدليل وبما حد لنزول الملائكة يومئذ: "أن هذا إتيان الله بنفسه يوم القيامة، ليلي محاسبة خلقه بنفسه، لا يلي ذلك أحد غيره، وأن معناه مخالف لمعنى إتيان القواعد، لاختلاف القضيتين".

إلى أن قال: "وقد كفانا رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 70 ] وأصحابه تفسير هذا الإتيان، حتى لا نحتاج منك له إلى تفسير" وذكر حديث أبي هريرة الذي في الصحيحين في تجليه يوم القيامة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه قال: " فيقول المؤمنون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فيتبعونه" وذكر حديث ابن عباس من وجهين موقوفا ومرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه " ثم يأتي الرب تعالى في الكروبيين، وهم أكثر من أهل السماوات والأرض" رواه الحاكم في صحيحه، وذكر "عن أنس بن مالك أنه قال: وتلا هذه الآية: يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات قال: يبدلها الله يوم القيامة بأرض من فضة لم تعمل عليها الخطايا، ينزل عليها الجبار".

ثم قال: "ومن يلتفت أيها المريسي إلى تفسيرك المحال في إتيان [ ص: 71 ] الله يوم القيامة ويدع تفسير رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلا كل جاهل مجنون خاسر مغبون؟ لما أنك مفتون في الدين مأفون، وعلى تفسير كتاب الله غير مأمون، ويلك! أيأتي الله بالقيامة ويتغيب هو بنفسه؟ فمن يحاسب الناس يومئذ؟ لقد خشيت على من ذهب مذهبك هذا لأنه لا يؤمن بيوم الحساب.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث