الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

فصل

وكثيرا ما يشتبه في هذا الباب المحمود الكامل بالمذموم الناقص . فيشتبه التفويض بالإضاعة . فيضيع العبد حظه . ظنا منه أن ذلك تفويض وتوكل . وإنما هو تضييع لا تفويض . فالتضييع في حق الله . والتفويض في حقك .

ومنه اشتباه التوكل بالراحة ، وإلقاء حمل الكل . فيظن صاحبه أنه متوكل . وإنما هو عامل على عدم الراحة .

وعلامة ذلك أن المتوكل مجتهد في الأسباب المأمور بها غاية الاجتهاد ، مستريح من غيرها لتعبه بها . والعامل على الراحة آخذ من الأمر مقدار ما تندفع به الضرورة ، وتسقط به عنه مطالبة الشرع . فهذا لون ، وهذا لون .

ومنه اشتباه خلع الأسباب بتعطيلها . فخلعها توحيد ، وتعطيلها إلحاد وزندقة . فخلعها عدم اعتماد القلب عليها ، ووثوقه وركونه إليها مع قيامه بها . وتعطيلها إلغاؤها عن الجوارح .

ومنه : اشتباه الثقة بالله بالغرور والعجز ، والفرق بينهما : أن الواثق بالله قد فعل ما أمره الله به ، ووثق بالله في طلوع ثمرته ، وتنميتها وتزكيتها ، كغارس الشجرة ، وباذر [ ص: 124 ] الأرض . والمغتر العاجز قد فرط فيما أمر به ، وزعم أنه واثق بالله . والثقة إنما تصح بعد بذل المجهود .

ومنه : اشتباه الطمأنينة إلى الله والسكون إليه ، بالطمأنينة إلى المعلوم ، وسكون القلب إليه . ولا يميز بينهما إلا صاحب البصيرة . كما يذكر عن أبي سليمان الداراني : أنه رأى رجلا بمكة لا يتناول شيئا إلا شربة من ماء زمزم . فمضى عليه أيام . فقال له أبو سليمان يوما : أرأيت لو غارت زمزم ، أي شيء كنت تشرب ؟ فقام وقبل رأسه ، وقال : جزاك الله خيرا ، حيث أرشدتني . فإني كنت أعبد زمزم منذ أيام . ثم تركه ومضى .

وأكثر المتوكلين سكونهم وطمأنينتهم إلى المعلوم . وهم يظنون أنه إلى الله ، وعلامة ذلك أنه متى انقطع معلوم أحدهم حضره همه وبثه وخوفه . فعلم أن طمأنينته وسكونه لم يكن إلى الله .

ومنه : اشتباه الرضا عن الله بكل ما يفعل بعبده - مما يحبه ويكرهه - بالعزم على ذلك ، وحديث النفس به . وذلك شيء والحقيقة شيء آخر . كما يحكى عن أبي سليمان أنه قال : أرجو أن أكون أعطيت طرفا من الرضا ، لو أدخلني النار لكنت بذلك راضيا .

فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول : هذا عزم منه على الرضا وحديث نفس به . ولو أدخله النار لم يكن من ذلك شيء . وفرق بين العزم على الشيء وبين حقيقته .

ومنه اشتباه علم التوكل بحال التوكل . فكثير من الناس يعرف التوكل وحقيقته وتفاصيله . فيظن أنه متوكل . وليس من أهل التوكل . فحال التوكل أمر آخر من وراء العلم به . وهذا كمعرفة المحبة والعلم بها وأسبابها ودواعيها . وحال المحب العاشق وراء ذلك . وكمعرفة علم الخوف ، وحال الخائف وراء ذلك . وهو شبيه بمعرفة المريض ماهية الصحة وحقيقتها وحاله بخلافها .

فهذا الباب يكثر اشتباه الدعاوي فيه بالحقائق ، والعوارض بالمطالب ، والآفات القاطعة بالأسباب الموصلة . والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث