الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء وخاف فوت الصلاة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

330 [ ص: 32 ] 3 - باب

التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء وخاف فوت الصلاة

وبه قال عطاء.

وقال الحسن في المريض عنده الماء ولا يجد من يناوله: تيمم.

وأقبل ابن عمر من أرضه بالجرف، فحضرت العصر بمربد النعم، فصلى، ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة، فلم يعد.

التالي السابق


هذه الآثار الثلاثة التي علقها البخاري تشتمل على ثلاث مسائل:

المسألة الأولى:

أن من عدم الماء في الحضر فله أن يتيمم ويصلي، وقد حكاه عن عطاء ، وهو قول جمهور العلماء.

وقد سبقت الإشارة إلى الاختلاف في هذه المسألة، وأن السفر هل هو شرط لجواز التيمم أم كان ذكره في القرآن؛ لأن السفر مظنة عدم الماء غالبا؟ والأكثرون على الثاني، فلو لم يجد الماء في الحضر تيمم وصلى.

واختلفوا: هل يعيد إذا وجد الماء أم لا؟ فقال الليث وأبو حنيفة والشافعي : يعيد، وهو وجه لأصحابنا.

ومنهم من فرق بين أن تقصر مدة عدم الماء في الحضر فيعيد، وبين أن تطول فلا يعيد، والصحيح من المذهب: أنه لا يعيد، وهو قول مالك والثوري وإسحاق والمزني وغيرهم.

وذهبت طائفة إلى أنه لا يصلي حتى يجد الماء أو يسافر، وهو رواية عن [ ص: 33 ] أبي حنيفة ، ورواية عن أحمد اختارها الخلال والخرقي ، وحكي عن زفر وداود .

ومن أصحابنا من قال: إن كان يرجو حصول الماء قريبا لم يصل حتى يجده، وإن فات الوقت.

المسألة الثانية:

أن المريض إذا كان يجد الماء، ولكن ليس عنده من يناوله إياه، فإنه يتيمم ويصلي، حكاه عن الحسن ، وهو - أيضا - قول الأوزاعي والشافعي وأحمد وأكثر العلماء.

وعن الشافعي : يعيد، وحكي رواية عن أحمد ، وظاهر كلامه أنه لا يعيد، وهو المشهور عند أصحابنا.

ولأصحابنا وجه: أنه إن رجا أن يجد من يناوله الماء بعد الوقت قريبا لم يصل بالتيمم، وأخر حتى يجيء من يناوله.

والصحيح: الأول، وأنه يصلي بالتيمم في الوقت، ولا يؤخر الصلاة إلى أن يقدر على الوضوء بعده، كما لا يؤخر المسافر الصلاة إذا رجا الوصول إلى الماء بعد الوقت عقيبه.

وخرج ابن أبي حاتم من رواية قيس ، عن خصيف ، عن مجاهد ، في قوله تعالى: وإن كنتم مرضى قال: نزلت في رجل من الأنصار، كان مريضا فلم يستطع أن يقوم فيتوضأ، ولم يكن له خادم فيناوله، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فأنزل الله تعالى هذه الآية. [ ص: 34 ] المسألة الثالثة:

أنه يجوز التيمم بقرب المصر إذا لم يجد الماء، وإن كان يصل إلى المصر في الوقت، هذا هو المروي عن ابن عمر رضي الله عنه وقد احتج به الإمام أحمد ، وقال: كان ابن عمر يتيمم قبل أن يدخل المدينة ، وهو يرى بيوت المدينة .

وهذا الأثر مشهور عن ابن عمر من رواية نافع عنه، وقد رفعه بعضهم، خرجه الدارقطني والبيهقي مرفوعا. قال البيهقي : وهو غير محفوظ.

ولفظ المرفوع: أن ابن عمر قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم تيمم بموضع يقال له: مربد النعم ، وهو يرى بيوت المدينة .

وخرج الأثرم من طريق أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه أقبل من أرضه التي بالجرف ، حتى إذا كان بمربد النعم حضرت الصلاة صلاة العصر، فتيمم وهو ينظر إلى بيوت المدينة .

وقد روى الشافعي ، عن ابن عيينة ، عن ابن عجلان ، عن نافع ، أن ابن عمر أقبل من الجرف حتى كان بالمربد تيمم وصلى العصر، ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة فلم يعد الصلاة.

" الجرف " - بضم الجيم والراء -: موضع بينه وبين المدينة ثلاثة أميال.

و" المربد ": مكان بقرب المدينة .

ورواه سفيان الثوري ، عن ابن عجلان ، عن نافع ، أنه تيمم على رأس ميل أو ميلين من المدينة ، فصلى العصر، ثم قدم والشمس مرتفعة، فلم يعد.

[ ص: 35 ] خرجه حرب الكرماني .

ورواه - أيضا - مالك ، عن نافع ، قال: أقبلت مع ابن عمر من الجرف حتى إذا بلغ المربد تيمم، ثم صلى.

ورواه العمري ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه تيمم وصلى ثم دخل المدينة في وقت، فلم يعد.

ورواه أبو معشر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال: أقبلنا من الغابة ، حتى إذا كنا بمربد النعم جاءت الصلاة، فتيمم، وصلى العصر، ثم دخل المدينة .

وهذا المروي عن ابن عمر يؤخذ منه عدة مسائل:

منها: أنه تجوز الصلاة بالتيمم في أول الوقت للمسافر، وإن علم أنه يصل إلى الماء قبل خروج الوقت ، وهذا قول أكثر العلماء، ومنهم من حكاه إجماعا، واستدل أحمد لذلك بحديث ابن عمر هذا. وحكي عن الشافعي قول: إنه لا يجوز.

ومنها: أن المسافر سفرا قصيرا له أن يتيمم فيه كالسفر الطويل، وهو قول جمهور العلماء - أيضا - وحكي فيه خلاف شاذ في مذهب الشافعي ، ومن أصحابه من لم يثبته عنه، وقال: إنما حكاه الشافعي عن غيره، وهو وجه ضعيف لأصحابنا - أيضا.

وقد تقدم: أن عدم الماء في الحضر يبيح التيمم عند الأكثرين، لكن منهم من أوجب الإعادة فيه، فمن قال: يعيد إذا تيمم في الحضر، وقال: لا يتيمم إلا في سفر طويل جعل حكم السفر القصير حكم الحضر في الإعادة إذا صلى فيه بالتيمم. [ ص: 36 ] وحكى ابن عبد البر ، عن محمد بن مسلمة المالكي ، أنه حمل ما فعله ابن عمر على أنه خاف فوت الوقت، وهذا يدل على أنه يرى أن الحاضر إذا كان عادما للماء لم يتيمم، إلا أن يخاف فوت الوقت.

وسئل ابن المبارك : عن الراعي تكون الماشية منه على الميلين والثلاثة؟ فذكر عن سعيد بن المسيب قال: يتيمم ويصلي.

وقال أبو داود : قلت لأحمد : الرجل يخرج على الميلين والثلاثة والأكثر، فتحضره الصلاة، أيتيمم؟ قال: إذا خاف يتيمم. قيل له: فيعيد؟ قال: لا.

قال حرب : قلت لإسحاق - يعني: ابن راهويه -: فرجل من المدينة على فرسخ، وليس في سفر، فحضرت الصلاة، وليس له ماء، أيتيمم ويصلي؟ قال: نعم. قلت: يعيد؟ قال: لا، وأنا أرى في الحضر التيمم.

قال: وسألته عن رجل في الصيد، وليس هو في سفر، فحضرت الصلاة، ولم يكن معه ماء، فتيمم وصلى؟ قال: إن كان في معصية يعيد، وإن كان للكسب على عياله لا يعيد.

وروى حرب بإسناده عن الزهري ، في رجل ينتجع الكلأ فلا يجد الماء؟ قال: لا نرى أن يقيم بالأرض ليس فيها ماء. قال الوليد بن مسلم ذكرته لبعض المشيخة، فقال: سمعت أن معاذ بن جبل ذكر ذلك له، فقال: لو لم يكن لهم ذلك لم يكن لنا أن نتركهم وذلك.

والمنصوص عن أحمد في الحطاب ونحوه: لا يرخص لهم في ترك حمل ماء الوضوء، وأنه إذا لم يكن معهم ماء فلا يتيممون، وحمله القاضي على أن السفر القصير لا تيمم فيه.

[ ص: 37 ] وأجاز طائفة من أصحابنا لمن عدم الماء في الحضر في التيمم في آخر الوقت، وأنهم لا يكلفون طلب الماء مع فوت الوقت مع بعد الماء في الحضر، وأوجب القاضي في " خلافه " طلب الماء على الحاضر، وإن أدركه بعد الوقت.

وقال صاحب " المغني ": من فارق موضع الماء إلى مكان قريب لحرث ونحوه، فحضرت الصلاة، ولا ماء معه ، وإن رجع إليه فاته غرضه ; فإنه يتيمم ويصلي، ولا إعادة عليه، إلا أن يكون مكان الماء ومكان الحاجة من عمل واحد، ففي الإعادة وجهان.

وقد سبق ذكر هذه المسألة في " باب التماس الماء إذا حانت الصلاة " في " كتاب الوضوء ".

ومنها: أن من صلى بالتيمم ثم وجد الماء في الوقت فإنه لا إعادة عليه، هذا قول جمهور العلماء، وحكي عن طائفة من السلف وجوب الإعادة.

ولو وجده بعد الوقت، فأجمعوا على أن لا إعادة عليه -: حكاه ابن المنذر وغيره.

وفي " المسند " و" سنن أبي داود " والنسائي من رواية عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد ، قال: خرج رجلان في سفر، فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فتيمما صعيدا طيبا وصليا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرا ذلك له، فقال للذي لم يعد: " أصبت السنة، وأجزأتك صلاتك "، وقال للذي توضأ وأعاد: " لك الأجر مرتين " .

[ ص: 38 ] وقال أبو داود : ذكر أبي سعيد في إسناده وهم ليس بمحفوظ، بل هو مرسل.

واستحب الأوزاعي الإعادة بالوضوء في الوقت من غير إيجاب.

ونقله حرب ، عن أحمد .

وقال القاضي أبو يعلى : يجوز ولا يستحب، وذكر أنه ظاهر كلام أحمد ; فإنه قال في رواية صالح : إن أعاد لم يضره.

وقال الخلال : العمل من قول أبي عبد الله على أنه لا يعيد.

وقال الحسن : إن شاء أعاد، وإن شاء لم يعد.

وصرح أصحاب الشافعي بأن الإعادة غير مستحبة.

وهذا الحديث قد يستدل به على استحباب الإعادة ; لقوله: لك الأجر مرتين. وقد يقال: إصابة السنة أفضل من ذلك.

وقد ذكرنا في " كتاب العلم " في شرح حديث: ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين أنه ليس كل من له أجره مرتين يكون أفضل من غيره.

ومنها: أنه لا يجب طلب الماء لمن عدمه في غير موضعه الذي هو فيه، وقد أخذ بذلك إسحاق ، واستنبطه من فعل ابن عمر هذا.

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث