الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      قوله تعالى : وإن تظاهرا عليه

                                                                                                                                                                                                                                      أخرج عبد الرزاق ، وابن سعد، وأحمد ، والعدني، وعبد بن حميد ، والبخاري ، ومسلم ، والترمذي ، والنسائي ، وابن المنذر ، وابن حبان، وابن مردويه ، عن ابن عباس قال : لم أزل حريصا أن أسأل عمر عن المرأتين من أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - اللتين قال الله تعالى : إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما حتى [ ص: 581 ] حج عمر وحججت معه، فلما كان ببعض الطريق عدل عمر وعدلت معه بالإداوة، فتبرز ثم أتى، فصببت على يديه، فتوضأ، فقلت : يا أمير المؤمنين، من المرأتان من أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - اللتان قال الله : إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما فقال : واعجبا لك يا ابن عباس! هي عائشة وحفصة، ثم أنشأ يحدثني الحديث، فقال : كنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم، فغضبت على امرأتي يوما، فإذا هي تراجعني، فأنكرت أن تراجعني، فقالت : ما تنكر من ذلك؟ فوالله إن أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم – ليراجعنه، وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل، قلت : قد خابت من فعلت ذلك منهن وخسرت، قال : وكان منزلي بالعوالي، وكان لي جار من الأنصار، كنا نتناوب النزول إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينزل يوما فيأتيني بخبر الوحي وغيره، وأنزل يوما فآتيه بمثل ذلك، قال : وكنا نحدث أن غسان تنعل الخيل لتغزونا، فجاءني يوما عشاء، فضرب على الباب فخرجت إليه، فقال : حدث أمر عظيم، فقلت : أجاءت غسان؟ قال : أعظم من ذلك، طلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم – نساءه، قلت في نفسي : قد خابت حفصة وخسرت، قد كنت أظن هذا كائنا، فلما صلينا الصبح شددت علي ثيابي، ثم [ ص: 582 ] انطلقت حتى دخلت على حفصة، فإذا هي تبكي، فقلت : أطلقكن رسول الله، صلى الله عليه وسلم؟ قالت : لا أدري، هو ذا معتزل في المشربة .

                                                                                                                                                                                                                                      فانطلقت، فأتيت غلاما أسود، فقلت : استأذن لعمر، فدخل ثم خرج إلي فقال : قد ذكرتك له فلم يقل شيئا، فانطلقت إلى المسجد، فإذا حول المنبر نفر يبكون، فجلست إليهم، ثم غلبني ما أجد، فأتيت الغلام فقلت : استأذن لعمر، فدخل ثم خرج فقال : قد ذكرتك له فلم يقل شيئا، فوليت منطلقا، فإذا الغلام يدعوني، فقال : ادخل فقد أذن لك، فدخلت فإذا النبي - صلى الله عليه وسلم - متكئ على حصير قد رأيت أثره في جنبه، فقلت : يا رسول الله، أطلقت نساءك؟ قال : «لا» قلت : الله أكبر، لو رأيتنا يا رسول الله، وكنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم، فغضبت يوما على امرأتي، فإذا هي تراجعني، فأنكرت ذلك، فقالت : ما تنكر؟! فوالله إن أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم – ليراجعنه، وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل، فقلت لحفصة : أتراجعين رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت : نعم، وتهجره إحدانا اليوم إلى الليل، فقلت : قد خابت من فعلت ذلك منكن وخسرت، أتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله - صلى الله عليه وسلم - فإذا هي قد هلكت؟ فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت لحفصة : لا تراجعي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، [ ص: 583 ] ولا تسأليه شيئا، وسليني ما بدا لك، ولا يغرنك أن كانت صاحبتك أوسم منك، وأحب إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فتبسم أخرى، فقلت : يا رسول الله، أستأنش؟ قال : «نعم» فرفعت رأسي فما رأيت في البيت إلا أهبة ثلاثة، فقلت : يا رسول الله، ادع الله أن يوسع على أمتك فقد وسع على فارس والروم وهم لا يعبدون الله، فاستوى جالسا وقال : «أوفي شك أنت يا ابن الخطاب، أولئك قوم قد عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا» وكان قد أقسم أن لا يدخل على نسائه شهرا، فعاتبه الله في ذلك، وجعل له كفارة اليمين .


                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج ابن مردويه ، عن عائشة قالت : آلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من نسائه وحرم، فجعل الحرام حلالا، وجعل في اليمين كفارة .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج ابن مردويه ، عن ابن مسعود قال : آلى النبي - صلى الله عليه وسلم - من نسائه وحرم، فأما الحرام فأحله الله، وأما الإيلاء فأمره بكفارة اليمين .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج عبد بن حميد ، عن عاصم أنه قرأ : وإن تظاهرا عليه [ ص: 584 ] خفيفة عسى ربه إن طلقكن أن يبدله خفيفة، مرفوعة الياء، سائحات خفيفة الألف .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج عبد بن حميد ، ومسلم ، وابن مردويه ، عن ابن عباس قال : حدثني عمر بن الخطاب قال : لما اعتزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم – نساءه دخلت المسجد، فإذا الناس ينكتون بالحصى، ويقولون : طلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم – نساءه، وذلك قبل أن يؤمر بالحجاب، فقلت : لأعلمن ذلك اليوم، فدخلت على عائشة فقلت : يا بنت أبي بكر أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله، صلى الله عليه وسلم؟ قالت : ما لي وما لك يا ابن الخطاب؟ فدخلت على حفصة، فقلت لها : يا حفصة أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله، صلى الله عليه وسلم؟ والله لقد علمت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يحبك، ولولا أنا لطلقك رسول الله، فبكت أشد البكاء، فقلت لها : أين رسول الله، صلى الله عليه وسلم؟ قالت : هو في خزانته في المشربة، فدخلت، فإذا أنا برباح غلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاعدا على أسكفة المشربة، مدليا رجليه على نقير من خشب، وهو جذع يرقى عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وينحدر، فناديت : يا رباح، استأذن لي عندك على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فنظر رباح إلى الغرفة ثم نظر إلي فلم يقل شيئا، [ ص: 585 ] فقلت : يا رباح، استأذن لي عندك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنظر رباح إلى الغرفة، ثم نظر إلي فلم يقل شيئا، ثم رفعت صوتي، فقلت : يا رباح، استأذن لي عندك على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإني أظن أن رسول الله ظن أني جئت من أجل حفصة، والله لئن أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بضرب عنقها لأضربن عنقها، ورفعت صوتي، فأومأ إلي بيده أن ارقه، فدخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو مضطجع على حصير، فجلست، فإذا عليه إزار وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثر في جنبه، ونظرت في خزانة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع، ومثلها من قرظ في ناحية الغرفة، وإذا أفيق معلق، فابتدرت عيناي فقال : «ما يبكيك يا ابن الخطاب» فقلت يا نبي الله : وما لي لا أبكي، وهذا الحصير قد أثر في جنبك، وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى، وذاك كسرى وقيصر في الثمار والأنهار، وأنت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وصفوته، وهذه خزانتك؟ قال : «يا ابن الخطاب، ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا» قلت : بلى، ودخلت عليه حين دخلت، وأنا أرى في وجهه الغضب، فقلت : يا رسول الله، ما يشق عليك من شأن النساء؛ فإن كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل، وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك، وقلما تكلمت - وأحمد الله - بكلام إلا رجوت أن يكون الله يصدق قولي الذي أقوله، ونزلت هذه الآية : عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن ، وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين [ ص: 586 ] والملائكة بعد ذلك ظهير وكانت عائشة بنت أبي بكر وحفصة تظاهران على سائر نساء النبي - صلى الله عليه وسلم – فقلت : يا رسول الله، أطلقتهن؟ قال : «لا»، قلت : يا رسول الله، إني دخلت المسجد والمؤمنون ينكتون الحصى ويقولون : طلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم – نساءه، أفأنزل فأخبرهم أنك لم تطلقهن؟ قال : «نعم، إن شئت» ثم لم أزل أحدثه حتى تحسر الغضب عن وجهه، وحتى كشر وضحك، وكان من أحسن الناس ثغرا، فنزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونزلت أتشبث بالجذع، ونزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كأنما يمشي على الأرض ما يمسه بيده، فقلت : يا رسول الله، إنما كنت في الغرفة تسعا وعشرين؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «إن الشهر قد يكون تسعا وعشرين» فقمت على باب المسجد، فناديت بأعلى صوتي : لم يطلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نساءه، قال : ونزلت هذه الآية : وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم [النساء : 83] فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر، وأنزل الله آية التخيير .

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية