الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب المواقيت للنسك زمانا ومكانا

جزء التالي صفحة
السابق

باب المواقيت للنسك زمانا ومكانا جمع ميقات وهو لغة : الحد والمراد به هنا زمان العبادة ومكانها ، وقد بدأ بالأول فقال ( وقت ) إحرام [ ص: 256 ] ( الحج ) لمكي أو غيره ( شوال وذو القعدة ) بفتح القاف أفصح من كسرها سمي بذلك لقعودهم عن القتال فيه ( وعشر ليال ) بالأيام بينها وهي تسعة فقد قال الشافعي في مختصر المزني : أشهر الحج شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة وهو يوم عرفة ، فمن لم يدركه إلى الفجر من يوم النحر فقد فاته الحج .

واعترضه ابن داود بأنه إن أراد الأيام فليقل وتسعة أو الليالي فهي عشر .

وأجاب الأصحاب بأن المراد الأيام والليالي جميعا وغلب التأنيث في العدد قاله الرافعي قال ابن العراقي : وليس فيه جواب عن السؤال وهو إخراج الليلة العاشرة ، والأحسن الجواب بإرادة الأيام ، ولا يحتاج لذكر التاء ; لأن ذاك مع ذكر المعدود فمع حذفه يجوز الأمران . ذكره في المهمات ، والسؤال معه باق في إخراج الليلة العاشرة ا هـ .

وأفاد الوالد رحمه الله تعالى أن ما ذكره الرافعي جواب السؤال ، وما ذكره في المهمات جواب عنه ثان ، وأما الليلة العاشرة فقد أفادها قوله فمن لم يدركه إلى آخره ( من ذي الحجة ) بكسر الحاء أفصح من فتحها سمي بذلك لوقوع الحج فيه ، وقد فسر ابن عباس وغيره من الصحابة رضي الله عنهم قوله تعالى { الحج أشهر معلومات } بذلك : أي وقت الإحرام به أشهر معلومات إذ فعله لا يحتاج لأشهر ، وأطلقها على شهرين وبعض شهر تغليبا أو إطلاقا للجمع على ما فوق الواحد ، وظاهر كلامه صحة إحرامه بالحج مع ضيق زمن الوقوف عن إدراكه [ ص: 257 ] كأن أحرم به في ليلة النحر ولم يبق من زمن الوقوف بعرفة ما يصح معه إدراكه ، وبه صرح الروياني قال : وهذا بخلاف نظيره في الجمعة لبقاء الحج حجا بفوات الوقوف بخلاف الجمعة ا هـ .

ومرادهم أن هذا وقته مع إمكانه في بقية الوقت حتى لو أحرم من مصر يوم عرفة لم ينعقد الحج بلا شك . قاله في الخادم قال : وفي انعقاده عمرة تردد والأرجح نعم .

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

( باب المواقيت ) ( قوله : وهو لغة : الحد ) ولم يقل واصطلاحا لعدم اختصاص المعنى الاصطلاحي بما ذكر ، ومع ذلك فكان عليه أن يبين معناه اصطلاحا ( قوله : والمراد به ) أي شرعا ، وعبارة حج : وشرعا هنا زمن العبادة ومكانها ( قوله : ومكانها )

[ ص: 256 ] قال حج : فإطلاقه عليه حقيقي إلا عند من يخص التوقيت بالحد للوقت فتوسع ( قوله : وهو يوم عرفة ) أي آخرها ، ويحتمل أن الضمير راجع للحج على معنى أن معظمه عرفة كما قيل به في قوله صلى الله عليه وسلم { الحج عرفة } ( قوله : واعترضه ابن داود ) أي اعترض ما في مختصر المزني من قوله وتسع من ذي الحجة ( قوله : والأحسن الجواب ) الفرق بين هذا الجواب وما تقدمه أن المراد على الأول بالتسع الأيام مع الليالي ، وعلى هذا الأيام وحدها والليالي مسكوت عنها فلا يكون في كلامه إخراج لليلة العاشرة لعدم ذكر الليالي وحكمها يعلم من دليل آخر ، ومنه يعلم حقيقة قول الشارح والسؤال معه باق إلخ ( قوله : أفصح من فتحها ) قال حج : ما بين منتهى غروب آخر رمضان وفجر النحر بالنسبة للبلد الذي هو فيه فيصح إحرامه به فيه وإن انتقل بعده إلى بلد أخرى تخالف مطلع تلك ووجدهم صياما على الأوجه ، لأن وجوب موافقته لهم في الصوم لا يقتضي بطلان حجه الذي انعقد لشدة تثبت الحج ولزومه ، بل قال في الخادم نقلا عن غيره : لا تلزمه الكفارة لو جامع في الثانية وإن لزمه الإمساك .

قال : وقياسه أنه لا تجب فطرة على من تلزمه فطرته بغروب الشمس ، وعلى هذا يصح الإحرام فيه إعطاء له حكم شوال . ا هـ .

وما ذكره في الكفارة قريب لأنها تسقط بالشبهة ، وفي الفطرة يتعين فرضه فيما إذا حدث المؤدى عنه في البلد الأول قبل غروب اليوم الثاني ، وإلا فالوجه لزومها لأن العبرة فيها بمحل المؤدى عنه ، وأما الإحرام فالذي يتجه عدم صحته لأنه بعد أن انتقل إليها صار مثلهم في الصوم ، فكذا الحج لأنه لا فارق بينهما ولا ترد الكفارة لما

[ ص: 257 ] علمت ا هـ بحروفه ( قوله : ما يصح معه ) أي ما يتأتى معه ( قوله : بخلاف نظيره في الجمعة ) أي فإنها لا تنعقد إذا ضاق وقتها ( قوله ومرادهم أن هذا ) قد يتوقف في أن هذا مرادهم بعد فرض الكلام فيمن أحرم في ليلة النحر ولم يبق من الوقت ما يمكن معه الوقوف فليتأمل ، اللهم إلا أن يقال : كلام الروياني مفروض فيمن لم يصح منه الوقوف لمانع قام بخصوصه ، كما لو أحرم بمكة أو ما يقرب منها ليلة النحر ولم يمكنه الوقوف لما قام به من المانع مع إمكان الوقوف في حد ذاته لمن أحرم ثمة في ذلك الوقت ، ويحتمل أن مراد الخادم التنبيه على أن كلام الروياني مخالف لكلامهم إذ هو مفروض فيمن أمكنه لا مطلقا



حاشية المغربي

[ ص: 255 ] باب المواقيت ) ( قوله : وهو ) أي الحج المضاف إليه أشهر [ ص: 256 ] قوله : قال ابن العراقي ) أي في مقام اختصار كلام المهمات فلا ينافيه قوله بعد ذلك ، والسؤال معه باق لأنه تعقب منه لكلام صاحب المهمات فاندفع ما قد يتوهم من التنافي في طرفي كلامه .

( قوله : أن ما ذكره الرافعي جواب عن السؤال إلخ ) اعلم أن حاصل جوابي الأصحاب وصاحب المهمات واحد ، وهو اختيار الشق الأول من شقي الترديد في كلام ابن داود ، غاية الأمر أن الأصحاب يقولون حذف التاء تغليبا لليالي المرادة مع الأيام ، فالمراد بالليالي في كلامهم ليالي تلك الأيام التسعة كما يعلم من كلام والد الشارح وإنما لم يتعرضوا لليلة العاشرة لأن المستشكل لم يسأل عنها ، خلاف ما يوهمه قول ابن العراقي ، والسؤال باق معه إلخ ، وصاحب المهمات يقول : حذف التاء لحذف المعدود ، وبما تقرر في هذه القولة والتي قبلها يعلم ما وقع في [ ص: 257 ] حاشية الشيخ هنا ( قوله : ومرادهم أن هذا وقته إلخ ) انظر ما مراد الشارح بسياق هذا عقب كلام الرافعي هل مراده تعقبه به أو مجرد إثبات المنافاة بينهما أو الإشارة إلى أنهما متغايران ، وحينئذ فما وجه المغايرة وما في حاشية الشيخ لا يشفي فليحرر ، وسيأتي في الباب الآتي ما يدل على اختياره لكلام الروياني .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث