الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

سبحانه وتعالى هو المستحق للتنزيه والتحميد

فصل

وهو في نفس الأمر لا إله غيره، وهو أكبر من كل شيء، وهو المستحق للتحميد والتنزيه، هو متصف بذلك كله في نفس الأمر. فالعباد لا يثبتون له بكلامهم شيئا لم يكن ثابتا له، بل المقصود بكلامهم تحقيق ذلك في أنفسهم، فإنهم يسعدون السعادة التامة، إذا [ ص: 279 ] صار أحدهم ليس في نفسه إله إلا الله خلص من شرك المشركين، فإن أكثر بني آدم كما قال تعالى وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ، فهم يقرون أنه رب العالمين لا رب غيره، ومع هذا يشركون به في الحب أو التوكل أو الخوف أو غير ذلك من أنواع الشرك.

وأما التوحيد أن يكون الله أحب إليه من كل ما سواه، فلا يحب شيئا مثل ما يحب الله، ولا يخافه كما يخاف الله، ولا يرجوه كما يرجوه، ولا يجله ويكرمه مثل ما يجل الله ويكرمه، ومن سوى بينه وبين غيره في أمر من الأمور فهو مشرك، إذ كان المشركون لا يسوون بينه وبين غيره في كل [شيء] ، فإن هذا لم يقله أحد من بني آدم، وهو ممتنع لذاته امتناعا معلوما لبني آدم، لكن منهم من جحده وفضل عليه غيره في العبادة والطاعة، لكن مع هذا لم يثبته ويسو بينه وبين غيره في كل شيء، بل في كثير من الأشياء. فمن سوى بينه وبين غيره في أمر من الأمور فهو مشرك، قال الله تعالى: الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون أي: يعدلون به غيره، يقال: عدل به أي جعله عديلا لكذا ومثلا له. وقال تعالى: وبرزت الجحيم للغاوين إلى قوله: إذ نسويكم برب العالمين وقال تعالى: ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله . [ ص: 280 ]

فلا إله إلا هو سبحانه، وما سواه ليس بإله، لكن المشركون عبدوا معه آلهة، وهي أسماء سموها هم وآباؤهم ما أنزل الله بها من سلطان، كما يسمي الإنسان الجاهل عالما، والكاذب صادقا، ويكون ذلك عنده لا في نفس الأمر. وهؤلاء آلهة في نفوس المشركين بهم ليسوا آلهة في نفس الأمر. ولهذا كان ما في قلوبهم من الشرك هو إفكا، قال الله تعالى عن إبراهيم: إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون أإفكا آلهة دون الله تريدون ، وقال أيضا: إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا ، وقال: هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ، وقال هود لقومه: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون .

والموحد صادق في قوله: "لا إله إلا الله"، وكلما كرر ذلك تحقق قلبه بالتوحيد والإخلاص، وكذلك قوله "الله أكبر"، فإنه تعالى كل ما يخطر بنفس العباد من التعظيم فهو أكبر منه، الملائكة والجن والإنس، فإنه أي شيء قدر في الأنفس من التعظيم كان دون الذي هو متصف به، كما أنه سبحانه فوق ما يثني عليه العباد، كما قال أعلم الناس به: "لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك" .

فكلما قال العبد "الله أكبر" تحقق قلبه بأن يكون الله في قلبه أكبر [ ص: 281 ] من كل شيء، فلا يبقى لمخلوق على القلب ربانية تساوي ربانية الرب، فضلا عن أن يكون مثلها، وهذا داخل في التوحيد لا إله إلا الله، فلا يكون في قلبه لمخلوق شيء من التأله لا قليل ولا كثير، بل التأله كله لله، ولكن المخلوق عنده نوع من القدر والمنزلة والمحبة، وليست كقدر الخالق، والمحبة المأمور بها هي الحب لله، كحب الأنبياء والصالحين، فهو يحبهم لأن الله أمر بحبهم، فهذا هو الحب لله. فأما من أحبهم مع الله فهذا مشرك، كما قال تعالى: ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله . فالحب في الله إيمان، والحب مع الله شرك.

وكذلك إذا قال: "سبحان الله والحمد لله" فقد نزه الرب، فنزه قلبه أن يصف الرب بما لا ينبغي له، فكلما سبح الرب تنزهت نفسه عن أن يصف الرب بشيء من السوء، كما قال سبحانه: سبحان ربك رب العزة عما يصفون ، وقال: سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا .

فهو سبحانه سبح نفسه عما يصفه المفترون والمشركون، فإذا سبح الرب كان قد زكى نفسه. وقد سمى الله الأعمال الصالحة زكاة وتزكية في مثل قوله: وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة . قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: ويزكيهم قال: يعني بالزكاة [ ص: 282 ] طاعة الله والإخلاص ، فجمع بين التزكية من الكفر والذنوب. وقال مقاتل بن حيان: "يزكيكم": يطهركم من الذنوب. هكذا قال في آية البقرة ، وقال في آية الصيف : يطهرهم من الذنوب والكفر.

وقال ابن جريج: يطهرهم من الشرك ويخلصهم منه. وقال السدي: يأخذ زكاة أموالهم . ففسروا الآية بما يعم زكاة الأموال وغيرها من الأعمال والأفعال، فالإخلاص والطاعة وتزكيتهم من الذنوب والكفر أعظم مقصود الآية. والمشركون نجس، والصدقة من تمام التطهر والزكاة، كما قال تعالى: خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم .

وكذلك قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة قال: هم الذين لا يشهدون أن لا إله إلا الله . وروي عن عكرمة نحو ذلك. وقال قتادة: لا يقرون بها ولا يؤمنون بها. وكذلك قال السدي: لا يدينون بها، ولو زكوا وهم مشركون لم ينفعهم. وقال معاوية بن قرة: ليسوا من أهلها. وقد قال موسى لفرعون: هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى ، وقال عن الأعمى: وما يدريك لعله يزكى ، [ ص: 283 ] وقال: قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها ، وقال: إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا إلى قوله: وذلك جزاء من تزكى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث