الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

( يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل )

[ ص: 48 ] قوله تعالى :( ياأيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل ) في الآية مسائل :

المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما شرح معايب هؤلاء الكفار وفضائحهم ، عاد إلى الترغيب في مقاتلتهم وقال :( ياأيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض ) وتقرير الكلام أنه تعالى ذكر في الآيات السابقة أسبابا كثيرة موجبة لقتالهم ، وذكر منافع كثيرة تحصل من مقاتلتهم كقوله :( يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ) [التوبة : 14] وذكر أقوالهم المنكرة ، وأعمالهم القبيحة في الدين والدنيا ، وعند هذا لا يبقى للإنسان مانع من قتالهم إلا مجرد أن يخاف القتل ويحب الحياة ، فبين تعالى أن هذا المانع خسيس ؛ لأن سعادة الدنيا بالنسبة إلى سعادة الآخرة كالقطرة في البحر ، وترك الخير الكثير ، لأجل الشر القليل جهل وسفه .

المسألة الثانية : المروي عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في غزوة تبوك ، وذلك لأنه عليه السلام لما رجع من الطائف أقام بالمدينة وأمر بجهاد الروم ، وكان ذلك الوقت زمان شدة الحر ، وطابت ثمار المدينة وأينعت ، واستعظموا غزو الروم وهابوه ، فنزلت هذه الآية ، قال المحققون : وإنما استثقل الناس ذلك لوجوه :

أحدها : شدة الزمان في الصيف والقحط .

وثانيها : بعد المسافة والحاجة إلى الاستعداد الكثير الزائد على ما جرت به العادة في سائر الغزوات .

وثالثها : إدراك الثمار بالمدينة في ذلك الوقت .

ورابعها : شدة الحر في ذلك الوقت .

وخامسها : مهابة عسكر الروم فهذه الجهات الكثيرة اجتمعت فاقتضت تثاقل الناس عن ذلك الغزو ، والله أعلم .

المسألة الثالثة : يقال : استنفر الإمام الناس لجهاد العدو فنفروا ينفرون نفرا ونفورا ، إذا حثهم ودعاهم إليه ، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : " إذا استنفرتم فانفروا " وأصل النفر الخروج إلى مكان لأمر واجب ، واسم ذلك القوم الذين يخرجون النفير ، ومنه قولهم : فلان لا في العير ، ولا في النفير ، وقوله :( اثاقلتم إلى الأرض ) أصله تثاقلتم ، وبه قرأ الأعمش ومعناه : تباطأتم ونظيره قوله :( فادارأتم ) [البقرة : 72] وقوله :( اطيرنا بك ) [النمل : 47] قال صاحب "الكشاف" : وضمن معنى الميل والإخلاد فعدي بإلى ، والمعنى ملتم إلى الدنيا وشهواتها ، وكرهتم مشاق السفر ومتاعبه ، ونظيره :( أخلد إلى الأرض واتبع هواه ) [الأعراف : 176] وإن كان في الظاهر استفهاما إلا أن المراد منه المبالغة في الإنكار .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث