الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ولا يجب الجهاد على صبي وامرأة وعبد وأعمى ومقعد وأقطع

جزء التالي صفحة
السابق

( قوله : ولا يجب على صبي وامرأة وعبد وأعمى ومقعد وأقطع ) ; لأن الصبي غير مكلف وكذا المجنون ، والعبد ، والمرأة مشغولان بحق الزوج ، والمولى وحقهما مقدم على فرض الكفاية ، والأعمى ونحوه عاجزون ، وقد قال تعالى { ليس على الأعمى حرج } أطلق في المرأة ، والعبد وقيده في فتح القدير بعدم الإذن أما لو أمر السيد ، والزوج العبد ، والمرأة بالقتال يجب أن يكون فرض كفاية ولا نقول صار فرض عين لوجوب طاعة المولى ، والزوج حتى إذا لم يقاتل في غير النفير العام يأثم ; لأن طاعتهما المفروضة عليهما في غير ما فيه المخاطرة بالروح ، وإنما يجب ذلك على المكلفين لخطاب الرب جل جلاله بذلك ، والغرض انتفاؤه عنهم قبل النفير العام ا هـ .

وفيه نظر ; لأن المرأة لا يجب عليها طاعة الزوج في كل ما يأمر به إنما ذلك فيما يرجع إلى النكاح وتوابعه خصوصا إذا كان في أمره إضرار بها ، فإنها تأثم على تقدير فرض الكفاية وترك الناس كلهم الجهاد نعم هو في العبد ظاهر لعموم وجوب الطاعة عليه وفي الذخيرة ويجوز للأب أن يأذن للصبي المراهق إذا طاق القتال بالخروج له ، وإن كان يخاف عليه القتل ; لأن قصده تهذيبه لا إتلافه فهو كتعليمه السباحة وكختنه وقيده ركن الإسلام السغدي بأن لا يخاف عليه نحو أن يرمي بالحجر فوق الحصن أو بالنشاب أما إذا كان يخاف عليه بأن كان يخرج للبراز فليس له أن يأذن له في القتال . ا هـ .

وأشار بالمرأة ، والعبد إلى أن المديون لا يخرج إلى الجهاد ما لم يقض دينه ، فإن لم يكن عنده وفاء لا يخرج إلا بإذن الغريم ; لأنه تعلق به حق الغريم ، فإن كان للمال كفيل كفل بإذنه لا يخرج إلا بإذنهما ، وإن كفل بغير إذنه لا يخرج إلا بإذن الطالب خاصة كذا في التجنيس وهو يفيد أن له أن يأذن له أن يخرج بغير إذن الكفيل بالنفس ; لأنه لا ضرر على الكفيل إذا تعذر [ ص: 78 ] إحضاره عليه وفي الذخيرة إن أذن له الدائن ولم يبرئه فالمحتسب له الإقامة لقضاء الدين ; لأن الأولى أن يبدأ بما هو الأوجب ، فإن غزا فلا بأس وهذا إذا كان الدين حالا ، فإن كان مؤجلا وهو يعلم بطريق الظاهر أنه يرجع قبل أن يحل الأجل فالأفضل الإقامة لقضاء الدين ، فإن خرج بغير إذن لم يكن به بأس لعدم توجه المطالبة بقضائه . ا هـ .

وإلى أنه لا يخرج إلى الجهاد إلا بإذن الوالدين ، فإن أذن له أحدهما ولم يأذن له الآخر فلا ينبغي له أن يخرج وهما في سعة من أن يمنعاه إذا دخل عليهما مشقة ; لأن مراعاة حقهما فرض عين ، والجهاد فرض كفاية فكان مراعاة فرض العين أولى ، فإن لم يكن له أبوان وله جدان أو جدتان فأذن له أب الأب وأم الأم ولم يأذن له الآخران فلا بأس بالخروج ; لأن أب الأب قائم مقام الأب وأم الأم قائمة مقام الأم فكانا بمنزلة الأبوين ، وأما سفر التجارة ، والحج فلا بأس بأن يخرج بغير إذن ، والديه ; لأنه ليس فيه خوف هلاكه حتى لو كان السفر في البحر لا يخرج بغير إذنهما ثم إنما يخرج بغير إذنهما للتجارة إذا كانا مستغنيين عن خدمته أما إذا كان محتاجين فلا كذا في التجنيس .

وتعبيره في فتح القدير بالحرمة تسامح ، وإنما الثابت الكراهة وفي البزازية دلت العلة على التحاق الخروج إلى العلم بالحج ، والتجارة ولأن الخروج إلى التجارة لما جاز لأن يجوز للعلم أولى . ا هـ .

وهذا كله إذا كان أبواه مسلمين ، وأما إذا كانا كافرين أو أحدهما فكرها خروجه إلى الجهاد أو كره الكافر ذلك فعليه أن يتحرى ، فإن وقع تحريه على أن الكراهة لما يلحقهما من التفجيع ، والمشقة لأجل الخوف عليه من القتل لا يخرج ، وإن كان لأجل كراهة قتال الكفار يخرج ، فإن شك ينبغي أن لا يخرج كذا في الذخيرة وفيها أن من سوى الأصول إذا كرهوا أخرجوه للجهاد ، فإن كان يخاف عليهم الضياع ، فإنه لا يخرج بغير إذنهم وألا يخرج وكذا امرأته ا هـ .

وفي التتارخانية ، وإن كان عند الرجل ودائع وأربابها غيب ، فإن أوصى إلى رجل أن يدفع الودائع إلى أربابها كان له أن يخرج إلى الجهاد ، والعالم الذي ليس في البلدة أحد أفقه منه ليس له أن يغزو لما يدخل عليهم من الضياع .

[ ص: 77 ]

التالي السابق


[ ص: 77 ] ( قوله : وفيه نظر ; لأن المرأة إلخ ) قال بعض الفضلاء أنت خبير بأن كلام المحقق صريح في أن الوجوب عليها بإيجاب الله تعالى لا بأمر الزوج وأمر الزوج لها إذن وفك الحجر . ا هـ .

وقال بعضهم ينبغي أن يقيد الوجوب في المرأة على ما فيه بما إذا كان لها محرم يذهب معها للجهاد يدل ذلك على اشتراط المحرم لها في الحج وهو فرض عين . ا هـ .

وأشار بقوله على ما فيه إلى ما في الهداية في فصل قسمة الغنيمة حيث علل عدم الرضخ للمرأة والصبي بعجزهما عن الجهاد ثم قال ولهذا أي لعجزهما عن الجهاد لم يلحقهما فرضه أي فرض الجهاد ثم علل عدم الرضخ للعبد بأنه لا يمكنه المولى من الجهاد وأن له منعه قال أبو السعود فما في النهر والظاهر أن التي لا زوج لها يفترض عليها كفاية ليس بظاهر . ا هـ .

قلت وبه صرح في القهستاني حيث قال فيمن لا يجب عليه وامرأة حرة سواء كان لها زوج أو لا ; لأن المرأة من قرنها إلى قدمها عورة وفي الجهاد قد ينكشف شيء من ذلك لا محالة كما في المحيط فلا يختص بالزوجة كما ظن ا هـ .

فالحاصل أن ما في الفتح مسلم في العبد ، وأما المرأة فلا وجوب عليها قبل النفير العام مطلقا كما هو صريح النقل ( قوله : وهو يفيد أن له أن يخرج إلخ ) قال في النهر وأقول : علل في الخانية ما إذا كانت بغير أمره بأنه لا حق للكفيل على المديون وهذا يقتضي أنه لا يسافر إلا بإذن الكفيل بالنفس ; لأن له عليه حقا بتسليم نفسه إليه إذا طلب منه ، وقد يذهب إلى مكان بعيد ، فإذا طلب منه وهو عالم به يلزمه السفر إليه فيحصل له الضرر ، وقد صرحوا بأن الكفيل بالنفس منعه من السفر قال في منية المفتي ضمن عن رجل مالا بأمره أو بنفسه فأراد الخصم أن يسافر فمنعه الكفيل قال محمد إن كان ضمانه إلى أجل فلا سبيل له عليه ، وإن لم يكن إلى أجل فله أن يأخذه حتى يخلصه منه إما بأداء المال أو ببراءة منه وفي كفالة النفس برد النفس ا هـ .



[ ص: 78 ] ( قوله : وتعبيره في فتح القدير بالحرمة تسامح ) حيث قال وعن هذا حرم الخروج إلى الجهاد وأحد الأبوين كاره ; لأن طاعة كل منهما فرض عليه والجهاد لم يتعين عليه مع أن في خصوصه أحاديث إلخ قلت لا يخفى أن هذا التعليل يفيد حرمة الخروج بلا إذنهما وقول التجنيس المار فكان مراعاة فرض العين أولى لا ينافي ذلك ; لأن المراد بالأولى هنا الأرجح في التقديم فحيث كان فرض عين يكون خلافه حراما



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث