الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

آيات الله في الكون

قال (تعالى): ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته وأنـزلنا من السماء ماء طهورا لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا

" الرؤية " ؛ هنا؛ بصرية نظرية؛ ذلك أنه من ينظر ببصره الظل وهو يمد - والمد: الجر والسحب - يره رأي العين يجر شيئا فشيئا؛ من انبلاج الفجر؛ إلى طلوع الشمس؛ يرى ذلك بالنظر؛ ثم يتدبر بالفكر في صانعه؛ ولذلك قال: ألم تر إلى ربك ؛ والرؤية بالبصر تكون في مد الظل شيئا فشيئا؛ والرؤية النظرية في سر ذلك وسببه؛ ولذا وجهت الرؤية إلى الله؛ خالق الأكوان؛ والقادر على كل شيء؛ والرؤية [ ص: 5289 ] حينئذ رؤية علمية إلى صانع المد؛ وما يكون حتى مطلع الشمس؛ والمد كما قلنا هو السحب والجر؛ والظل وهو ما لا تظهر فيه الشمس؛ سواء أكانت في حال إشراقها؛ أم في حال زوالها؛ وهو هنا ما قبل إشراقها؛ وهو يمتد شيئا فشيئا؛ فالفجر ينبلج؛ ثم يكون الإسفار متدرجا حتى تطلع الشمس؛ فهو كقوله (تعالى): والصبح إذا تنفس ؛ إذ يمتد الظل شيئا فشيئا؛ ويبرز الناس إلى الحياة متدرجين في بعث الحياة في الأعمال؛ وكأنه يتنفس تنفسا.

هذا توجيه إلى تعرف بدائع الخلق؛ وإنه في هذه الحال تكون الراحة النفسية؛ واستقبال الحياة مبشرا؛ وإن ذلك صنيع الله (تعالى) خالق كل شيء ومبدعه؛ خلقه - سبحانه - بإرادته المختارة؛ التي ينشئ بها كل شيء في الوجود؛ فلا تصدر عنه صدور العلة عن معلولها؛ ولو شاء لجعله ساكنا ؛ أي: باقيا مقيما؛ وتكون كلمة " ساكنا " ؛ وضعا من " السكنى " ؛ وعندئذ لا تبعث الراحة والسعادة والاستبشار؛ وقد قال (تعالى) في آية أخرى: قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة ؛ فسبحان مقلب الأحوال؛ وسبحان مقلب القلوب.

قال (تعالى): ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ؛ انتقل السياق القرآني من الغيبة إلى المتكلم; لبيان إرادة الله الواضحة؛ وأنه هو الفاعل المختار؛ ولتربية المهابة في النفوس؛ بخطابه بذاته العلية خطابا واضحا معلما؛ والعطف بـ " ثم " ؛ للإشارة إلى التفاوت بين الظل والشمس الساطعة؛ وكانت الشمس دليلا على الظل؛ لأن إشراقها نهايته; ولأن ضوء الشمس يدخل في ظلام الليل شيئا فشيئا من انبثاق الفجر؛ فهو الدليل الواضح للظل؛ حتى يكون الصباح.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث