الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

( لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون )

قوله تعالى :( لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون )

اعلم أنه تعالى لما بالغ في ترغيبهم في الجهاد في سبيل الله ، وكان قد ذكر قوله :( ياأيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض ) [التوبة : 38] عاد إلى تقرير كونهم متثاقلين ، وبين أن أقواما ، مع كل ما تقدم من الوعيد والحث على الجهاد ، تخلفوا في غزوة تبوك ، وبين أنه( لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ) وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : العرض ما عرض لك من منافع الدنيا ، يقال : الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر ، قالالزجاج : فيه محذوف ، والتقدير : لو كان المدعو إليه سفرا قاصدا ، فحذف اسم( كان ) لدلالة ما تقدم عليه ، وقوله :( وسفرا قاصدا ) قال الزجاج : أي سهلا قريبا ، وإنما قيل لمثل هذا قاصدا ؛ لأن المتوسط بين الإفراط والتفريط ، يقال له : مقتصد ، قال تعالى :( فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ) [فاطر : 32] وتحقيقه أن المتوسط بين الكثرة والقلة يقصده كل أحد ، فسمي قاصدا ، وتفسير القاصد : ذو قصد ، كقولهم : لابن وتامر ورابح .

قوله :( ولكن بعدت عليهم الشقة ) قال الليث : الشقة بعد مسيره إلى أرض بعيدة ، يقال : شقة شاقة ، والمعنى : بعدت عليهم الشاقة البعيدة ، والسبب في هذا الاسم أنه شق على الإنسان سلوكها ، ونقل صاحب "الكشاف" عن عيسى بن عمر : أنه قرأ( بعدت عليهم الشقة ) بكسر العين والشين .

المسألة الثانية : هذه الآية نزلت في المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك ، ومعنى الكلام أنه لو كانت المنافع قريبة والسفر قريبا لاتبعوك طمعا منهم في الفوز بتلك المنافع ، ولكن طال السفر فكانوا كالآيسين من الفوز بالغنيمة ، بسبب أنهم كانوا يستعظمون غزو الروم ، فلهذا السبب تخلفوا ، ثم أخبر الله تعالى أنه إذا رجع من الجهاد يجدهم( وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم ) إما عندما يعاتبهم بسبب التخلف ، وإما ابتداء على طريقة إقامة العذر في التخلف ، ثم بين تعالى أنهم يهلكون أنفسهم بسبب ذلك الكذب والنفاق ، وهذا يدل على أن الأيمان الكاذبة توجب الهلاك ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : " اليمين الغموس تدع الديار بلاقع " .

ثم قال :( والله يعلم إنهم لكاذبون ) في قولهم ما كنا نستطيع الخروج ، فإنهم كانوا مستطيعين الخروج .

المسألة الثالثة : دلت الآية على أن قوله :( انفروا خفافا وثقالا ) إنما يتناول من كان قادرا متمكنا ، إذ عدم الاستطاعة عذر في التخلف .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث