الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة الأفضلية بين كثرة الركوع والسجود وطول القيام

وقال شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية رحمه الله فصل تنازع الناس : أيما أفضل كثرة الركوع والسجود ؟ أو طول القيام ؟ وقد ذكر عن أحمد في ذلك ثلاث روايات : إحداهن : أن كثرة الركوع والسجود أفضل وهي التي اختارها طائفة من أصحابه .

والثانية أنهما سواء .

والثالثة : أن طول القيام أفضل وهذا يحكى عن الشافعي . فنقول : هذه المسألة لها صورتان : إحداهما : أن يطيل القيام مع تخفيف الركوع والسجود . فيقال : [ ص: 70 ] أيما أفضل ؟ هذا أم تكثير الركوع والسجود مع تخفيف القيام ؟ ويكون هذا قد عدل بين القيام وبين الركوع والسجود فخفف الجميع . والصورة الثانية : أن يطيل القيام فيطيل معه الركوع والسجود فيقال : أيما أفضل ؟ هذا أم أن يكثر من الركوع والسجود والقيام ؟ وهذا قد عدل بين القيام والركوع والسجود في النوعين لكن أيما أفضل تطويل الصلاة قياما وركوعا وسجودا أم تكثير ذلك مع تخفيفها ؟ فهذه الصورة ذكر أبو محمد وغيره فيها ثلاث روايات وكلام غيره يقتضي أن النزاع في الصورة الأولى أيضا .

والصواب في ذلك : أن الصورة الأولى تقليل الصلاة مع كثرة الركوع والسجود وتخفيف القيام أفضل من تطويل القيام وحده مع تخفيف الركوع والسجود . ومن فضل تطويل القيام احتجوا بالحديث الصحيح { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل : أي الصلاة أفضل فقال : طول القنوت } . وظنوا أن المراد بطول القنوت طول القيام وإن كان مع تخفيف الركوع والسجود وليس كذلك . فإن القنوت هو دوام العبادة والطاعة ويقال لمن أطال السجود : إنه قانت . قال تعالى : { أم من هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه } فجعله قانتا في حال السجود كما هو قانت في حال القيام وقدم السجود على القيام .

[ ص: 71 ] وفي الآية الأخرى قال : { والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما } ولم يقل قنوتا فالقيام ذكره بلفظ القيام لا بلفظ القنوت . وقال تعالى : { وقوموا لله قانتين } فالقائم قد يكون قانتا وقد لا يكون وكذلك الساجد . فالنبي صلى الله عليه وسلم بين أن طول القنوت أفضل الصلاة وهو يتناول القنوت في حال السجود وحال القيام . وهذا الحديث يدل على الصورة الثانية وأن تطويل الصلاة قياما وركوعا وسجودا أولى من تكثيرها قياما وركوعا وسجودا ; لأن طول القنوت يحصل بتطويلها لا بتكثيرها وأما تفضيل طول القيام مع تخفيف الركوع والسجود على تكثير الركوع والسجود فغلط . فإن جنس السجود أفضل من جنس القيام من وجوه متعددة : أحدها : أن السجود بنفسه عبادة لا يصلح أن يفعل إلا على وجه العبادة لله وحده والقيام لا يكون عبادة إلا بالنية فإن الإنسان يقوم في أمور دنياه ولا ينهى عن ذلك .

الثاني : أن الصلاة المفروضة لا بد فيها من السجود وكذلك كل صلاة فيها ركوع لا بد فيها من سجود لا يسقط السجود فيها بحال من الأحوال فهو عماد الصلاة وأما القيام فيسقط في التطوع دائما وفي الصلاة على الراحلة في السفر وكذلك يسقط القيام في الفرض عن المريض وكذلك المأموم إذا صلى إمامه جالسا . كما [ ص: 72 ] جاءت به الأحاديث الصحيحة .

وسواء قيل : إنه عام للأمة أو مخصوص بالرسول فقد سقط القيام عن المأموم في بعض الأحوال والسجود لا يسقط لا عن قائم ولا قاعد والمريض إذا عجز عن إيمائه أتى منه بقدر الممكن وهو الإيماء برأسه وهو سجود مثله ولو عجز عن الإيماء برأسه ففيه قولان هما روايتان عن أحمد . أحدهما : أنه يومئ بطرفه فجعلوا إيماءه بطرفه هو ركوعه وسجوده فلم يسقطوه .

والثاني : أنه تسقط الصلاة في هذه الحال ولا تصح على هذا الوجه وهو قول أبي حنيفة وهذا القول أصح في الدليل ; لأن الإيماء بالعين ليس من أعمال الصلاة ولا يتميز فيه الركوع عن السجود ولا القيام عن القعود بل هو من نوع العبث الذي لم يشرعه الله تعالى .

وأما الإيماء . بالرأس : فهو خفضه وهذا بعض ما أمر به المصلي وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته : { إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم } وهو لا يستطيع من السجود إلا [ ص: 73 ] هذا الإيماء وأما تحريك العين فليس من السجود في شيء .

وعلى القولين فقد اتفقوا على أنه لا بد في الصلاة من السجود وهذا يقول الإيماء بطرفه هو سجود وهذا يقول ليس بسجود فلا يصلي . فلو كانت الصلاة تصح مع القدرة بلا سجود لأمكن أن يكبر ويقرأ ويتشهد ويسلم فيأتي بالأقوال دون الأفعال وما علمت أحدا قال إن الصلاة تصح بمجرد الأقوال بل لا بد من السجود . وأما القيام والقراءة فيسقطان بالعجز باتفاق الأئمة فعلم أن السجود هو أعظم أركان الصلاة القولية والفعلية .

الوجه الثالث : أن القيام إنما صار عبادة بالقراءة أو بما فيه من ذكر ودعاء كالقيام في الجنازة فأما القيام المجرد فلم يشرع قط عبادة مع إمكان الذكر فيه . بخلاف السجود فإنه مشروع بنفسه عبادة حتى خارج الصلاة شرع سجود التلاوة والشكر وغير ذلك .

وأما المأموم إذا لم يقرأ فإنه يستمع قراءة إمامه واستماعه عبادة وإن لم يسمع فقد اختلف في وجوب القراءة عليه والأفضل له أن يقرأ . والذين قالوا لا قراءة عليه أو لا تستحب له القراءة قالوا قراءة الإمام له قراءة فإنه تابع للإمام .

[ ص: 74 ] فإن قيل : إذا عجز الأمي عن القراءة والذكر قيل : هذه الصورة نادرة أو ممتنعة فإن أحدا لا يعجز عن ذكر الله وعليه أن يأتي بالتكبير وما يقدر عليه من تحميد وتهليل وعلى القول بتكرار ذلك ; هل يكون بقدر الفاتحة ؟ فيه وجهان لقول النبي صلى الله عليه وسلم { إذا قمت إلى الصلاة فإن كان معك قرآن فاقرأ به وإلا فاحمد الله وكبره وهلله ثم اركع } رواه أبو داود والترمذي .

قال أحمد : إنه إذا قام إلى الثانية وقد نسي بعض أركان الأولى إن ذكر قبل الشروع في القراءة مضى وصارت هذه بدل تلك . فإن المقصود بالقيام هو القراءة ; ولهذا قالوا : ما كان عبادة نفسه لم يحتج إلى ركن قولي كالركوع والسجود وما لم يكن عبادة بنفسه احتاج إلى ركن قولي كالقيام والقعود . وإذا كان السجود عبادة بنفسه علم أنه أفضل من القيام .

الوجه الرابع : أن يقال القيام يمتاز بقراءة القرآن فإنه قد نهي عن القراءة في الركوع والسجود وقراءة القرآن أفضل من التسبيح فمن هذا الوجه تميز القيام وهو حجة من سوى بينهما فقال السجود بنفسه أفضل وذكر القيام أفضل فصار كل منهما أفضل من وجه أو تعادلا . لكن يقال قراءة القرآن تسقط في مواضع وتسقط عن المسبوق القراءة والقيام أيضا . كما في حديث أبي بكرة . وفي السنن [ ص: 75 ] { من أدرك الركعة فقد أدرك السجدة } وهذا قول جماهير العلماء والنزاع فيه شاذ .

وأيضا فالأمي تصح صلاته بلا قراءة باتفاق العلماء كما في السنن { أن رجلا قال : يا رسول الله ; إني لا أستطيع أن آخذ شيئا من القرآن فعلمني ما يجزيني منه . فقال : قل : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله فقال : هذا لله فما لي ؟ قال : تقول : اللهم اغفر لي وارحمني وارزقني واهدني .

} وأيضا فلو نسي القراءة في الصلاة قد قيل : تجزئه الصلاة وروي ذلك عن الشافعي . وقيل : إذا نسيها في الأولى قرأ في الثانية قراءة الركعتين وروي هذا عن أحمد . وأما السجود فلا يسقط بحال فعلم أن السجود أفضل من القراءة كما أنه أفضل من القيام والمسبوق في الصلاة يبني على قراءة الإمام الذي استخلفه كما قد بنى النبي صلى الله عليه وسلم على قراءة أبي بكر .

الوجه الخامس : أنه قد ثبت في الصحيح { أن النار تأكل من ابن آدم كل شيء إلا موضع السجود } فتأكل القدم وإن كان موضع القيام .

[ ص: 76 ] الوجه السادس : إن الله تعالى قال : { يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون } { خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون } وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة : أنه إذا تجلى لهم يوم القيامة سجد له المؤمنون ومن كان يسجد في الدنيا رياء يصير ظهره مثل الطبق " .

فقد أمروا بالسجود في عرصات القيامة دون غيره من أجزاء الصلاة . فعلم أنه أفضل من غيره .

الوجه السابع : أنه قد ثبت في الأحاديث الصحيحة : أن الرسول إذا طلب منه الناس الشفاعة يوم القيامة قال : { فأذهب فإذا رأيت ربي خررت له ساجدا وأحمد ربي بمحامد يفتحها علي لا أحسنها الآن } فهو إذا رآه سجد وحمد وحينئذ يقال له : { أي محمد ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعطه واشفع تشفع } . فعلم أنه أفضل من غيره .

الوجه الثامن : إن الله تعالى قال : { كلا لا تطعه واسجد واقترب } وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد } وهذا نص في أنه في حال السجود أقرب إلى الله منه في غيره وهذا صريح في فضيلة السجود على غيره . والحديث رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة : [ ص: 77 ] أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ، فأكثروا الدعاء } .

الوجه التاسع : ما رواه مسلم في صحيحه عن { معدان بن أبي طلحة قال : لقيت ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : أخبرني بعمل يدخلني الله به الجنة أو قال : بأحب الأعمال إلى الله فسكت ثم سألته الثانية فقال : سألت عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : عليك بكثرة السجود لله فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط عنك بها خطيئة } قال معدان : ثم لقيت أبا الدرداء فسألته فقال لي مثلما قال لي ثوبان . فإن كان سأله عن أحب الأعمال فهو صريح في أن السجود أحب إلى الله من غيره وإن كان سأله عما يدخله الله به الجنة فقد دله على السجود دون القيام فدل على أنه أقرب إلى حصول المقصود .

وهذا الحديث يحتج به من يرى أن كثرة السجود أفضل من تطويله لقوله : { فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط عنك بها خطيئة } ولا حجة فيه ; لأن كل سجدة يستحق بها ذلك لكن السجدة أنواع . فإذا كانت إحدى السجدتين أفضل من الأخرى كان ما يرفع به من الدرجة أعظم وما يحط به عنه من الخطايا أعظم كما أن السجدة التي يكون فيها أعظم خشوعا وحضورا هي أفضل [ ص: 78 ] من غيرها فكذلك السجدة الطويلة التي قنت فيها لربه هي أفضل من القصيرة .

الوجه العاشر : ما روى مسلم أيضا عن { ربيعة بن كعب قال : كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فآتيه بوضوئه وحاجته فقال لي : سل فقلت : أسألك مرافقتك في الجنة فقال : أوغير ذلك ؟ فقلت : هو ذاك قال : فأعني على نفسك بكثرة السجود } . فهذا قد سأل عن مرتبة علية وإنما طلب منه كثرة السجود . وهذا أدل على أن كثرة السجود [ أفضل ] لكن يقال المكثر من السجود قد يكثر من سجود طويل وقد يكثر من سجود قصير وذاك أفضل .

وأيضا فالإكثار من السجود لا بد فإذا صلى إحدى عشرة ركعة طويلة كما كان النبي صلى الله عليه وسلم فإذا صلى المصلي في مثل زمانهن عشرين ركعة فقد أكثر السجود لكن سجود ذاك أفضل وأتم وهذا أكثر من ذاك وليس لأحد أن يقول : إنما كان أكثر مع قصرها فهو أفضل مما هو كثير أيضا وهو أتم وأطول كصلاة النبي صلى الله عليه وسلم .

[ ص: 79 ] الوجه الحادي عشر : أن مواضع الساجد تسمى مساجد . كما قال تعالى : { وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا } وقال تعالى : { ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه } وقال تعالى : { ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله } وقال تعالى : { قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد } ولا تسمى مقامات إلا بعد فعل السجود فيها . فعلم أن أعظم أفعال الصلاة هو السجود الذي عبر عن مواضع السجود بأنها مواضع فعله .

الوجه الثاني عشر : أنه تعالى قال : { إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون } وهذا وإن تناول سجود التلاوة فتناوله لسجود الصلاة أعظم ; فإن احتياج الإنسان إلى هذا السجود أعظم على كل حال فقد جعل الخرور إلى السجود مما لا يحصل الإيمان إلا به وخصه بالذكر وهذا مما تميز به وكذلك أخبر عن أنبيائه أنهم : { إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا } وقال في تلك الآية : { تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا } .

والدعاء في السجود أفضل من غيره كما ثبت في الأحاديث الصحيحة مثل قوله في حديث أبي هريرة { أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء } ومثل ما روى مسلم في صحيحه عن [ ص: 80 ] ابن عباس قال : { كشف رسول الله صلى الله عليه وسلم الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر . فقال أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا فأما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم } وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء في السجود في عدة أحاديث وفي غير حديث تبين أن ذلك في صلاته بالليل فعلم أن قوله : { تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا } وإن كان يتناول الدعاء في جميع أحوال الصلاة فالسجود له مزية على غيره كما لآخر الصلاة مزية على غيرها ; ولهذا جاء في السنن : { أفضل الدعاء جوف الليل الآخر ودبر الصلوات المكتوبات } .

فهذه الوجوه وغيرها مما يبين أن جنس السجود أفضل من جنس القيام والقراءة ولو أمكن أن يكون أطول من القيام لكان ذلك أفضل ; لكن هذا يشق مشقة عظيمة فلهذا خفف السجود عن القيام مع أن السنة تطويله إذا طول القيام كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فروي : { أنه كان يخفف القيام والقعود ويطيل الركوع والسجود } ولما أطال القيام في صلاة الكسوف أطال الركوع والسجود .

وكذلك في حديث حذيفة الصحيح : { أنه لما قرأ بالبقرة والنساء [ ص: 81 ] وآل عمران قال : ركع نحوا من قيامه وسجد نحوا من ركوعه } وفي حديث البراء الصحيح أنه قال : { كان قيامه فركعته فاعتداله فسجدته فجلوسه بين السجدتين فجلسته ما بين السلام والانصراف قريبا من السواء } . وفي رواية : { ما خلا القيام والقعود } .

وثبت في الصحيح عن عائشة : { أنه كان يسجد السجدة بقدر ما يقرأ الإنسان خمسين آية } " فهذه الأحاديث تدل على أن تطويل الصلاة قيامها وركوعها وسجودها أفضل من تكثير ذلك مع تخفيفه وهو القول الثالث في الصورة الثانية ومن سوى بينهما قال : إن الأحاديث تعارضت في ذلك وليس كذلك ; فإن قوله : { أفضل الصلاة طول القنوت } يتناول التطويل في القيام والسجود وكذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن عمار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة } " وقال : { من أم الناس فليخفف فإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء } " . وأحاديث تفضيل السجود قد بينا أنها لا تنافي ذلك . ومعلوم : أن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم .

وأيضا فإنه لما صلى الكسوف كان يمكنه أن يصلي عشر ركعات أو عشرين ركعة يكثر فيها قيامها وسجودها فلم يفعل ; بل صلى [ ص: 82 ] ركعتين أطال فيهما القيام والركوع والسجود وجعل في كل ركعة قيامين وركوعين وعلى هذا فكثرة الركوع والسجود أفضل من طول القيام الذي ليس فيه تطويل الركوع والسجود .

وأما إذا أطال القيام والركوع والسجود فهذا أفضل من إطالة القيام فقط وأفضل من تكثير الركوع والسجود والقيام بقدر ذلك . والكلام إنما هو في الوقت الواحد : كثلث الليل أو نصفه أو سدسه أو الساعة . هل هذا أفضل من هذا أو هذا أفضل من هذا .

وفي الصحيحين عن { أم هانئ لما صلى الثماني ركعات يوم الفتح قالت : ما رأيته صلى صلاة قط أخف منها غير أنه كان يتم الركوع والسجود } " وفي رواية لمسلم { ثم قام فركع ثماني ركعات لا أدري أقيامه فيها أطول أم ركوعه أم سجوده كل ذلك متقارب } " فهذا يبين أنه طول الركوع ، والسجود قريبا من القيام وأن قولها : { لم أره صلى صلاة أخف منها } إخبار منها عما رأته وأم هانئ لم تكن مباشرة له في جميع الأحوال ولعلها أرادت منع كثرة الركعات فإنه لم يصل ثمانيا جميعا أخف منها فإن صلاته بالليل كانت أطول من ذلك وهو بالنهار لم يصل ثمانيا متصلة قط ; بل إنما كان يصلي المكتوبة والظهر كان يصلي بعدها ركعتين وقبلها أربعا أو ركعتين أو لعله خففها لضيق الوقت فإنه صلاها بالنهار وهو مشتغل بأمور فتح مكة [ ص: 83 ] كما كان يخفف المكتوبة في السفر حتى يقرأ في الفجر بالمعوذتين . وروي أنه قرأ في الفجر بالزلزلة في الركعتين فهذا التخفيف لعارض .

وقد احتج من فضل التكثير على التطويل بحديث { ابن مسعود قال : إني لأعرف السور التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بهن من المفصل كل سورتين في ركعة } يدل على أنه لم يكن يطيل القيام وهذا لا حجة فيه ; لأنه أولا جمع بين سورتين من المفصل وأيضا فإنه كان يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها .

وأيضا فإن حذيفة روى عنه : { أنه قام بالبقرة والنساء وآل عمران في ركعة } وابن مسعود ذكر أنه طول حتى هممت بأمر سوء : أن أجلس وأدعه . ومعلوم أن هذا لا يكون بسورتين فعلم أنه كان يفعله أحيانا ولا ريب أنه كان يطيل بعض الركعات أطول من بعض كما روت عائشة وغيرها والله أعلم . [ ص: 84 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث