الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل انقسام التوحيد إلى نوعين وبيان النوع الأول

فصل في انقسام التوحيد إلى نوعين ، وبيان النوع الأول ، وهو توحيد المعرفة والإثبات


أول واجب على العبيد معرفة الرحمن بالتوحيد     إذ هو من كل الأوامر أعظم
وهو نوعان أيا من يفهم     إثبات ذات الرب جل وعلا
أسمائه الحسنى صفاته العلى     وأنه الرب الجليل الأكبر
الخالق البارئ والمصور [ ص: 98 ]     باري البرايا منشئ الخلائق
مبدعهم بلا مثال سابق



( أول واجب ) فرضه الله - عز وجل - ( على العبيد ) هو ( معرفة الرحمن ) أي معرفتهم إياه ( بالتوحيد ) الذي خلقهم له ، وأخذ عليهم الميثاق به ، ثم فطرهم شاهدين مقرين به ، ثم أرسل به رسله إليهم ، وأنزل به كتبه عليهم . ( إذ ) حرف تعليل لأولية وجوب معرفة العباد ربهم - تبارك وتعالى - بالتوحيد ( هو من كل الأوامر ) جمع أمر وهو خطاب الله - عز وجل - المتعلق بالمكلفين بصيغة تستدعي الفعل ( أعظم ) كما أن ضده من الشرك والتعطيل والتمثيل ، هو أعظم المناهي ، ولهذا لا يدخل العبد في الإسلام إلا به ، ولا يخرج منه إلا بضده ، ولم يزحزح عن النار ، ويدخل الجنة إلا به . ولا يخلد في النار ويحرم الجنة إلا بضده ، ولم تدع الرسل إلى شيء قبله ، ولم تنه عن شيء قبل ضده . ( وهو ) أي التوحيد ( نوعان ) :

الأول : التوحيد العلمي الخبري الاعتقادي المتضمن إثبات صفات الكمال لله - عز وجل - وتنزيهه فيها عن التشبيه والتمثيل ، وتنزيهه عن صفات النقص ، وهو توحيد الربوبية والأسماء والصفات .

والثاني : التوحيد الطلبي القصدي الإرادي ، وهو عبادة الله - تعالى - وحده لا شريك له ، وتجريد محبته والإخلاص له ، وخوفه ورجاؤه ، والتوكل عليه ، والرضا به ربا وإلها ووليا ، وأن لا يجعل له عدلا في شيء من الأشياء ، وهو توحيد الإلهية .

والقرآن كله من أوله إلى آخره في تقرير هذين التوحيدين ; لأنه إما خبر عن الله - عز وجل - وما يجب أن يوصف به ، وما يجب أن ينزه عنه ، وهو التوحيد العلمي الخبري الاعتقادي ، وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له ، وخلع ما يعبد من دونه ، فهو التوحيد الطلبي الإرادي . وإما أمر ونهي وإلزام بطاعته ، فذلك من حقوق التوحيد ومكملاته ، وإما خبر عن إكرامه لأهل التوحيد ، وما فعل بهم في الدنيا من النصر والتأييد ، وما يكرمهم به في الآخرة ، وهو جزاء توحيده . وإما خبر عن أهل الشرك ، وما فعل بهم في الدنيا من النكال ، وما يفعل بهم في العقبى من العذاب ، فهو جزاء من خرج عن حكم توحيده .

[ ص: 99 ] فالقرآن كله في التوحيد ، وحقوقه وجزائه ، وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم ، اقرأ في الجمع بين التوحيدين ( طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلا الرحمن على العرش استوى له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى ) ، ( طه : 1 - 8 ) وآية الكرسي ، وقل هو الله أحد ، وغيرها من القرآن . واقرأ في الأمر والنهي ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) ، ( الحشر : 7 ) ، واقرأ في إكرام أهل التوحيد في الدنيا والآخرة ( إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ) ( غافر : 51 ) ، واقرأ في إخزاء أهل الشرك في الدنيا والآخرة ( واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين ) ، ( القصص : 39 - 42 ) .

والكلام في هذا الفصل على النوع الأول ، وهو التوحيد العلمي الخبري الاعتقادي ، وهو ( إثبات ) بالرفع بدل بعض من قولنا " نوعان " أي الأول منهما ( إثبات ذات الرب جل وعلا ) ، فإن هذه العوالم العلويات والسفليات لا بد لها من موجد أوجدها ، ويتصرف فيها ويدبرها . ومحال أن توجد بدون موجد ، ومحال أن توجد أنفسها . قال الله - تبارك وتعالى - في مقام إثبات الربوبية وتوحيد الألوهية : ( أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون ) ، ( الطور : 35 - 36 ) . قال ابن عباس رضي الله عنهما : ( أم خلقوا من غير شيء ) أي من غير رب . ومعناه : أخلقوا من غير شيء خلقهم ، فوجدوا بلا خالق ، وذلك مما لا يجوز أن يكون ; لأن تعلق الخلق بالخالق من ضرورة الاسم ، فلا بد له من خالق فإن [ ص: 100 ] أنكروا الخالق ، لم يجز أن يوجدوا بلا خالق . ( أم هم الخالقون ) لأنفسهم وذلك في البطلان أشد ; لأن ما لا وجود له كيف يخلق ، فإذا بطل الوجهان ، قامت الحجة عليهم بأن لهم خالقا ، فليؤمنوا به ( أم خلقوا السماوات والأرض ) وهذا في البطلان أشد وأشد ، فإن المسبوق بالعدم يستحيل أن يوجد بنفسه ، فضلا عن أن يكون موجدا لغيره ، وهذا إنكار عليهم في شركهم بالله - عز وجل - وهم يعلمون أنه الخالق لا شريك له ( بل لا يوقنون ) ، أي ولكن عدم إيقانهم هو الذي يحملهم على ذلك .

وعن جبير بن مطعم - رضي الله عنه - قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في المغرب بالطور ، فلما بلغ هذه الآية : ( أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون أم عندهم خزائن ربك أم هم المسيطرون ) ، ( الطور : 35 - 37 ) كاد قلبي أن يطير . أخرجاه في الصحيحين .

وكثيرا ما يرشد الله - تبارك وتعالى - عباده إلى الاستدلال على معرفته بآياته الظاهرة من المخلوقات العلوية والسفلية ، كما قال تعالى : ( وفي الأرض آيات للموقنين ، ( الذاريات : 20 ) أي فيها من الآيات الدالة على عظمة خالقها ، وقدرته الباهرة ، مما قد ذرأ فيها من صنوف النبات والحيوانات ، والمهاد والجبال والقفار ، والأنهار والبحار ، واختلاف ألسنة الناس وألوانهم ، وما جبلوا عليه من الإرادات والقوى ، وما بينهم من التفاوت في العقول والفهوم ، والحركات والسعادة والشقاوة ، وما في تركيبهم من الحكم في وضع كل عضو من أعضائهم في المحل الذي هو محتاج إليه فيه ، ولهذا قال عز وجل : ( وفي أنفسكم أفلا تبصرون ) ، ( الذاريات : 21 ) .

قال قتادة : من تفكر في خلق نفسه ، علم أنه إنما لينت مفاصله للعبادة ، وكذا ما في ابتداء الإنسان من الآيات العظيمة ، إذ كانت نطفة ، ثم علقة ، ثم مضغة ، ثم عظاما إلى أن نفخ فيه الروح . وقال تعالى : ( والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون والأرض فرشناها فنعم الماهدون ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون ) [ ص: 101 ] ، ( الذاريات : 47 - 49 ) .

يقول - تعالى - منبها على خلق العالم العلوي والسفلي : ( والسماء بنيناها ) أي جعلناها سقفا محفوظا رفيعا ( بأيد ) أي بقوة ، قاله ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة ، والثوري وغير واحد ، ( وإنا لموسعون ) قال ابن عباس رضي الله عنهما : لقادرون . وعنه أيضا : لموسعون الرزق على خلقنا . وقيل : ذو سعة . وقال ابن كثير : أي قد وسعنا أرجاءها ورفعناها بغير عمد حتى استقلت كما هي . ( والأرض فرشناها ) أي جعلناها فراشا للمخلوقات ، ( فنعم الماهدون ) الباسطون نحن . قال ابن عباس : نعم ما وطأت لعبادي . ( ومن كل شيء خلقنا زوجين ) صنفين ونوعين مختلفين كالسماء والأرض ، والشمس والقمر ، والليل والنهار ، والبر والبحر ، والسهل والجبل ، والشتاء والصيف ، والجن والإنس ، والذكر والأنثى ، والنور والظلمة ، والإيمان والكفر ، والسعادة والشقاوة ، والجنة والنار ، والحق والباطل ، والحلو والمر ، والدنيا والآخرة ، والموت والحياة ، والجامد والنامي ، والمتحرك والساكن ، والحر والبرد وغير ذلك ( لعلكم تذكرون ) أي لتعلموا أن الخالق واحد فرد ، لا شريك له . ا هـ . ابن كثير والبغوي . وقال تعالى : ( إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون ) ، ( البقرة : 164 ) .

قال أبو الضحى : لما نزلت ( وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم ) ، قال المشركون : إن كان هكذا ، فليأتنا بآية ، فأنزل الله عز وجل : ( إن في خلق السماوات والأرض ) تلك في ارتفاعها ولطافتها ، واتساعها وكواكبها [ ص: 102 ] السيارة والثوابت ، ودوران فلكها ، وهذه الأرض في كثافتها وانخفاضها ، وجبالها وبحارها ، وقفارها ووهادها وعمرانها ، وما فيها من المنافع ( واختلاف الليل والنهار ) هذا يجيء ثم يذهب ، ويخلفه الآخر ويعقبه ولا يتأخر عنه لحظة ، كما قال تعالى : ( لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون ) ، ( يس : 40 ) ، وتارة يطول هذا ، ويقصر هذا ، وتارة يأخذ هذا من هذا ، ثم يتعاوضان ، كما قال تعالى : ( يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ) ، أي يزيد من هذا في هذا ، ومن هذا في هذا ، ( والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ) أي في تسخير البحر بحمل السفن من جانب إلى جانب لمعايش الناس ، والانتفاع بما عند أهل ذلك الإقليم ، ونقل هذا إلى هؤلاء ، ( وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها ) ، كما قال تعالى : ( وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون ) ، ( يس : 33 ) . . . إلى قوله : ( ومما لا يعلمون ) .

( وبث فيها من كل دابة ) على اختلاف أشكالها ، وأنواعها وألوانها ، ومنافعها وصغرها وكبرها ، وهو يعلم ذلك كله ويرزقه ، لا يخفى عليه شيء من ذلك ، كما قال تعالى : ( وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين ) ، ( وتصريف الرياح ) فتارة تأتي بالرحمة ، وتارة تأتي بالعذاب ، وهي الريح ، وتارة تأتي مبشرات بين يدي السحاب ، وتارة تسوقها ، وتارة تجمعه ، وتارة تفرقه ، وتارة تصرفه ، ثم تارة تأتي من الشمال وهي الشامية ، وتارة تأتي من ناحية اليمن ، وتارة صبا وهي الشرقية ، وتارة دبور وهي غربية ، وغير ذلك والله أعلم .

( والسحاب المسخر بين السماء والأرض ) أي سائر بين السماء والأرض ، مسخر إلى ما يشاء الله من الأراضي والأماكن ، كما يصرفه - تعالى - ( لآيات لقوم يعقلون ) أي في هذه الأشياء دلالات بينة على وحدانية الله - تعالى . ( لقوم يعقلون ) فيعلمون أن لهذه الأشياء خالقا وصانعا ، غنيا بذاته ، وكل ما سواه فقير إليه ، قائم بذاته ، وكل ما سواه لا يقوم إلا به ، قدير لذاته ، وكل ما سواه عاجز لا قدرة له إلا بما أقدره ، متصف بجميع صفات الكمال ، وكل ما سواه فلازمه النقص ، وليس الكمال المطلق إلا له ، وهو الله [ ص: 103 ] تبارك وتعالى . وقال تبارك وتعالى : ( ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون ) ، ( الروم : 20 - 25 ) .

يقول تعالى : ( ومن آياته ) الدالة على عظمته وكمال قدرته أنه خلق أباكم آدم من تراب ، ( ثم إذا أنتم بشر تنتشرون ) ، فأصلكم من تراب ثم من ماء مهين ، ثم تصور فكان علقة ، ثم مضغة ، ثم صار عظاما ، شكله شكل إنسان ، ثم كسا الله - تعالى - تلك العظام لحما ، ثم نفخ فيه الروح ، فإذا هو سميع بصير ، ثم أخرج من بطن أمه صغيرا ، ضعيف القوى والحركة ، ثم كلما طال عمره ، تكاملت قواه وحركاته ، حتى آل به الحال إلى أن صار يبني المدائن والحصون ، ويسافر في أقطار الأقاليم ويركب متن البحور ، ويدور أقطار الأرض ، ويكتسب ويجمع الأموال ، وله فكرة وغور ، ودهاء ومكر ، ورأي وعلم ، واتساع في أمور الدنيا والآخرة ، كل بحسبه ، فسبحان من أقدرهم وسيرهم ، وسخرهم وصرفهم في فنون المعايش والمكاسب ، وفاوت بينهم في العلوم والفكر ، والحسن والقبح ، والغنى والفقر ، والسعادة والشقاوة .

وعن أبي موسى - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله - تعالى - خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض ، فجاء بنو آدم على قدر الأرض ، جاء منهم الأبيض والأحمر ، والأسود وبين ذلك ، والخبيث والطيب ، والسهل والحزن ، وغير ذلك . رواه أحمد ، وأبو داود ، والترمذي . وقال : حسن صحيح .

[ ص: 104 ] ( ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا ) أي خلق لكم من جنسكم إناثا تكون لكم أزواجا ; ( لتسكنوا إليها ) ، كما قال تعالى : ( هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها ) ، ( الأعراف : 189 ) ، يعني بذلك حواء ، خلقها الله - تعالى - من آدم من ضلعه الأقصر الأيسر ، ولو أنه - تعالى - جعل بني آدم كلهم ذكورا ، وجعل إناثهم من جنس آخر من غيرهم ، إما من جان أو حيوان لما حصل هذا الائتلاف بينهم وبين الأزواج ، بل كانت تحصل نفرة لو كانت الأزواج من غير الجنس ، ثم من تمام رحمته ببني آدم أن جعل الأزواج من جنسهم ، ( وجعل بينكم مودة ) وهي المحبة ، ( ورحمة ) وهي الرأفة ، فإن الرجل يمسك المرأة إما لمحبة لها ، أو لرحمة بها بأن يكون لها منه ولد ، أو محتاجة إليه في الإنفاق أو للألفة بينهما وغير ذلك ، ( إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) في عظمة الله وقدرته ، ( ومن آياته ) الدالة على قدرته العظيمة ( خلق السماوات والأرض ) أي خلق السماوات في ارتفاعها واتساعها ، وشفوف أجرامها ، وزهارة كواكبها ونجومها الثوابت والسيارات ، وخلق الأرض في انخفاضها وكثافتها ، وما فيها من جبال وأودية ، وبحار وقفار ، وحيوان وأشجار ، ( واختلاف ألسنتكم ) يعني اللغات ، فهؤلاء بلغة العرب ، وهؤلاء تتر لهم لغة أخرى ، وهؤلاء كرج ، وهؤلاء روم ، وهؤلاء إفرنج ، وهؤلاء بربر ، وهؤلاء حبشة ، وهؤلاء هنود ، وهؤلاء فرس ، وهؤلاء صقالبة ، وهؤلاء خزر ، وهؤلاء أرمن ، وهؤلاء أكراد ، إلى غير ذلك مما لا يعلمه إلا الله - عز وجل - من اختلاف لغات بني آدم ( وألوانكم ) أي واختلاف ألوانكم أبيض وأسود وأحمر ، وأنتم أولاد رجل واحد وامرأة واحدة ، وغير ذلك من اختلاف الصفات والحلى ، فجميع أهل الأرض بل أهل الدنيا منذ خلق الله آدم إلى قيام الساعة ، كل له عينان وحاجبان ، وأنف وجبين ، وفم وخدان ، وليس يشبه واحد منهم الآخر ، بل لا بد أن يفارقه بشيء من السمت أو الهيئة ، أو الكلام ظاهرا كان أو خفيا ، يظهر عند التأمل ، كل وجه منهم أسلوب بذاته ، وهيئة لا تشبه أخرى ، ولو توافق جماعة في صفة من جمال أو قبح ، لا بد من فارق [ ص: 105 ] بين كل واحد منهم وبين الآخر ، ( إن في ذلك لآيات للعالمين ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله ) أي ومن الآيات ما جعل الله من صفة النوم في الليل ، فإن فيه تحصل الراحة وسكون الحركة ، وذهاب الكلال والتعب ، وجعل لكم الانتشار والسعي في الأسباب والأسفار في النهار ، وهذا ضد النوم ، ( إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون ) سماع تدبر واعتبار ، ( ومن آياته ) الدالة على عظمته أنه ( يريكم البرق خوفا وطمعا ) أي تارة تخافون مما يحدث بعده من أمطار مزعجة وصواعق متلفة ، وتارة ترجون وميضه وما يأتي بعده من المطر المحتاج إليه ، ولهذا قال تعالى : ( وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها ) أي بعدما كانت هامدة ، لا نبات فيها ولا شيء ، ( فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ) ، ( الحج : 5 ) ، وفي ذلك عبرة ودلالة واضحة على المعاد وقيام الساعة ، ولهذا قال تعالى : ( إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ) ، ( الروم : 24 - 25 ) ، كقوله تعالى : ( ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه ) ، ( الحج : 65 ) ، وقوله تعالى : ( إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده ) ، ( فاطر : 41 ) ، وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إذا اجتهد في اليمين قال : والذي قامت السماوات والأرض بأمره ، أي هي قائمة ثابتة بأمره لها ، وتسخيره إياها ، ثم إذا كان يوم القيامة بدلت الأرض غير الأرض والسماوات ، وخرجت الأموات من قبورها أحياء بأمره - تعالى - ودعائه إياهم ، قال تعالى : ( ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون ) ، أي من الأرض كما قال تعالى : ( يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا ) ، ( الإسراء : 52 ) ، وقال تعالى : ( فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة ) ، ( النازعات 13 - 14 ) ، وقال تعالى : ( إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون ) ، ( يس : 53 ) .

[ ص: 106 ] والآيات في هذا الباب العظيم من الاستدلال بالمخلوقات على وجود خالقها وقدرته وعظمته أكثر من أن تحصى ، وأجل من أن تستقصى ، وفيما ذكرنا كفاية وغنى يغني عن خرط المناطقة ، ومقدماتهم ونتائجهم ، وتناقضهم فيها ، والله - تبارك وتعالى - أعلى وأكبر ، وأجل وأعظم من أن يحتاج في معرفة وجوده إلى شواهد واستدلالات ، فذات المخلوق نفسه شاهدة بوجود خالقه حيث أوجده ، ولم يكن من قبل شيئا ، فلم يذهب يستدل بغيره ، وفي نفسه الآية الكبرى والبرهان الأعظم ، وشأن الله - تعالى - أكبر من ذلك ، ولم يجحد وجوده - تعالى - من جحده من أعدائه إلا على سبيل المكابرة ، ولهذا قال - تعالى - في كفرهم بآياته : ( وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا ) ، ( النمل : 14 ) ، فكيف بوجود الخالق تبارك وتعالى . ولهذا لما قال أعداء الله لرسله على سبيل المكابرة لما جاءوهم بالبينات ، فردوا أيديهم في أفواههم ، وقالوا : ( إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض ) ، ( إبراهيم : 9 - 10 ) ، وهذا يحتمل شيئين :

أحدهما : أفي وجوده - تعالى - شك ، فإن الفطر شاهدة بوجوده ، ومجبولة على الإقرار به ، فإن الاعتراف به ضروري في الفطر السليمة ، ولكن قد يعرض لغيرها شك واضطراب ، وأكثر ذلك على سبيل المكابرة والاستهزاء ، فيجب إقامة الحجة عليهم للإعذار إليهم ، ولهذا قالت لهم رسلهم ترشدهم إلى طريق معرفته ، فقالوا : ( فاطر السماوات والأرض ) الذي خلقهما وابتدعهما على غير مثال سبق ، فإن شواهد الحدوث والخلق والتسخير ظاهرة عليهما ، فلا بد لهما من خالق ، وهو الله الذي لا إله إلا هو ، خالق كل شيء وإلهه ومليكه . والمعنى الثاني في قولهم ( أفي الله شك ) أي أفي إلهيته وتفرده بوجود العبادة له شك ، وهو الخالق لجميع الموجودات ، ولا يستحق العبادة إلا هو ، وحده لا شريك له ، فإن غالب الأمم كانت مقرة بالخالق ، ولكن تعبد معه غيره من الوسائط التي يظنونها تنفعهم أو تقربهم ، والجواب لهذا الاستفهام على كلا المعنيين : لا ، أي لا شك فيه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث