الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تمام التوبة وشروطها ودوامها

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

تمام التوبة وشروطها ودوامها

ذكرنا أن التوبة عبارة عن ندم يورث عزما وقصدا ، فالندم هو توجع القلب عند شعوره بفوات المحبوب ، وعلامته طول الحسرة والحزن وإسكاب الدمع ، والفكر ، فمن استشعر عقوبة نازلة بولده طال عليه مصيبته وبكاؤه ، وأي عزيز أعز عليه من نفسه ؟ وأي عقوبة أشد من النار ؟ وأي سبب أدل على نزول العقوبة من المعاصي ؟ وأي مخبر أصدق من الله ورسوله ؟ ولو حدثه إنسان واحد يتطبب أن مرض ولده لا يبرأ وأنه سيموت منه لطال في الحال حزنه ، فليس ولده بأعز من نفسه ، ولا الطبيب بأعلم ولا أصدق من الله ورسوله ، ولا الموت بأشد من النار ، ولا المرض بأدل على الموت من المعاصي على سخط الله - تعالى - والتعرض بها إلى النار . فألم الندم كلما كان أشد كان تكفير الذنوب به أرجى ، فعلامة صحة الندم رقة القلب وغزارة الدمع ، ومن علامته أن تتمكن مرارة تلك الذنوب في قلبه بدلا من حلاوتها ، فيستبدل بالميل كراهية وبالرغبة نفرة كمن ينفر عن عسل فيه سم ولو كان في غاية الجوع والشهوة للحلاوة ، فوجدان التائب مرارة الذنب كذلك يكون ، وذلك لعلمه بأن كل ذنب فذوقه ذوق العسل وعمله عمل السم ، ولا تصح التوبة ولا تصدق إلا بمثل هذا الإيمان ؛ ولما عز مثل هذا الإيمان عزت التوبة والتائبون ، فلا ترى إلا معرضا عن الله - تعالى - متهاونا بالذنوب مصرا عليها . فهذا شرط تمام الندم ، وينبغي أن يدوم إلى الموت وينبغي أن يجد هذه المرارة في جميع الذنوب .

وأما القصد الذي ينبعث منه وهو إرادة التدارك فله تعلق بالحال وهو يوجب ترك محظور هو ملابس له ، وأداء كل فرض هو متوجه عليه في الحال ، وله تعلق بالماضي وهو تدارك ما [ ص: 276 ] فرط ، وبالمستقبل وهو دوام الطاعة ودوام ترك المعصية إلى الموت .

ومن أهم ما يجب تداركه الحقوق المالية ، فمن تناول مالا بغصب أو خيانة أو غبن في معاملة بنوع تلبيس كترويج زائف أو ستر عيب من المبيع أو نقص أجرة أجير أو أكل أجرته ، فكل ذلك يجب أن يفتش عنهم ليستحلهم أو ليؤدي حقوقهم لهم أو لورثتهم ، وليحاسب نفسه على الحبات والدوانق قبل أن يحاسب في القيامة ، وليناقش قبل أن يناقش ، فمن لم يحاسب نفسه في الدنيا طال في الآخرة حسابه ، فإن عجز فلا يبقى له طريق إلا أن يكثر من الحسنات بقدر كثرة مظالمه ، فهذا طريق كل تائب في رد المظالم الثابتة في ذمته . وأما أمواله الحاضرة فليرد إلى المالك ما يعرف له مالكا معينا ، وما لا يعرف له مالكا فعليه أن يتصدق به ، فإن اختلط الحلال بالحرام فعليه أن يعرف قدر الحرام بالاجتهاد ويتصدق بذلك المقدار .

وأما الجناية على القلوب بمشافهة الناس بما يسوؤهم أو بعيبهم في الغيبة ، فليطلب كل من تعرض له بلسانه أو آذى قلبه بفعل من أفعاله ، فمن وجده وأحله بطيب قلب منه فذلك كفارته ، ومن مات أو غاب أو تعذر استحلاله فقد فات أمره ولا يتدارك إلا بتكثير الحسنات .

ومن مهمات التائب إذا لم يكن عالما أن يتعلم ما يجب عليه في المستقبل وما يحرم عليه حتى يمكنه الاستقامة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث