الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كلام أبي إسماعيل الأنصاري في " مناقب أحمد بن حنبل "

وقال أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري الملقب بشيخ الإسلام، في اعتقاد أهل السنة وما وقع عليه إجماع أهل الحق من الأمة: "اعلم أن الله متكلم قائل مادح نفسه، وهو متكلم كلما شاء، ويتكلم بكلام لا مانع له ولا مكره، والقرآن كلامه هو تكلم به".

قال أيضا في كتاب " مناقب أحمد بن حنبل " في باب الإشارة إلى طريقته في الأصول، لما ذكر كلامه في مسائل القرآن وترتيب البدع التي ظهرت فيه وأنهم قالوا أولا: هو مخلوق، وجرت المحنة المشهورة، ثم مسألة اللفظية بسبب حسين الكرابيسي، إلى أن قال: وجاءت [ ص: 77 ] طائفة فقالت: لا يتكلم بعد ما تكلم، فيكون كلامه حادثا، قال: وهذه سحارة أخرى تقذي في الدين غير عين واحدة، فانتبه لها أبو بكر بن خزيمة، وكانت حينئذ بنيسابور دار الآثار تمد إليها الدانات، وتشد إليها الركائب، ويجلب منها العلم، وما ظنك بمجالس يحبس عنها الثقفي والصبغي مع ما جمعا من الحديث والفقه والصدق والورع واللسان والبيت والقدر لا يستر لوث بالكلام واستمام لأهله، فابن خزيمة في بيت، ومحمد بن إسحاق في بيت، وأبو حامد العرشرقي في بيت، قال: فطار لتلك الفتنة ذلك الإمام أبو بكر فلم يزل يصيح بتشويهها، ويصنف في ردها كأنه منذر جيش، حتى [ ص: 78 ] دون في الدفاتر، وتمكن في السرائر، ولقن في الكتاتيب، ونقش في المحاريب، أن الله متكلم: إن شاء الله تكلم، وإن شاء سكت، فجزى الله ذلك الإمام وأولئك النفر الغر عن نصرة دينه وتوقير نبيه خيرا".

قلت: هذه القصة التي أشار إليها عن ابن خزيمة مشهورة ذكرها غير واحد من المصنفين كالحاكم أبي عبد الله في " تاريخ نيسابور " وغيره، ذكر أنه رفع إلى الإمام أنه قد نبغ طائفة من أصحابه يخالفونه وهو لا يدري، وأنهم على مذهبالكلابية، وأبو بكر الإمام شديد على الكلابية.

قال: "فحدثني أبو بكر أحمد بن يحيى المتكلم قال: اجتمعنا ليلة عند بعض أهل العلم، وجرى ذكر كلام الله: أقديم لم يزل، أو يثبت عند اختياره تعالى أن يتكلم به؟ فوقع بيننا في ذلك خوض. قال جماعة منا: إن كلام الباري قديم لم يزل، وقال جماعة: إن كلامه قديم، غير أنه لا يثبت إلا باختياره لكلامه. فبكرت أنا إلى أبي علي الثقفي، وأخبرته بما جرى، فقال: من أنكر أنه لم يزل فقد اعتقد أنه محدث، وانتشرت هذه المسألة في البلد، وذهب منصور الطوسي في جماعة معه إلى أبي بكر محمد بن إسحاق وأخبروه بذلك، حتى قال منصور: ألم أقل للشيخ إن هؤلاء يعتقدون مذهب الكلابية، وهذا مذهبهم، [ ص: 79 ] فجمع أبو بكر أصحابه، وقال: ألم أنهكم غير مرة عن الخوض في الكلام، ولم يزدهم على هذا في ذلك اليوم، وذكر أنه بعد ذلك خرج على أصحابه، وأنه صنف في الرد عليهم، وأنهم ناقضوه، ونسبوه إلى القول بقول جهم في أن القرآن محدث، وجعلهم هو كلابية.

قال الحاكم: "سمعت أبا عبد الرحمن بن أحمد المقري يقول: سمعت أبا بكر محمد بن إسحاق يقول: الذي أقول به أن القرآن كلام الله ووحيه وتنزيله، غير مخلوق، ومن قال: إن القرآن أو شيئا منه ومن وحيه وتنزيله مخلوق، أو يقول: إن الله لا يتكلم بعد ما كان تكلم به في الأزل، أو يقول: إن أفعال الله مخلوقة، أو يقول: إن القرآن محدث، أو يقول: إن شيئا من صفات الله - صفات الذات - أو اسما من أسماء الله مخلوق، فهو عندي جهمي يستتاب، فإن تاب، وإلا ضربت عنقه، هذا مذهبي ومذهب من رأيت من أهل الأثر في الشرق والغرب من أهل العلم، ومن حكى عني خلاف هذا فهو كاذب باهت، ومن نظر في كتبي المصنفة ظهر له وبان أن الكلابية كذبة فيما يحكون عني مما هو خلاف أصلي وديانتي".

وذكر عن ابن خزيمة أنه قال: زعم بعض جهلة هؤلاء الذين نبغوا في سنتنا هذه أن الله لا يكرر الكلام، فهم لا يفهمون كتاب الله، فإن [ ص: 80 ] الله قد أخبر في نص الكتاب في مواضع أنه خلق آدم، وأنه أمر الملائكة بالسجود له، فكرر هذا الذكر في غير موضع، وكرر ذكر كلامه مع موسى مرة بعد أخرى، وكرر ذكر عيسى بن مريم في مواضع، وحمد نفسه في مواضع فقال: الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب [ سورة الكهف: 1]، و الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض [ سورة الأنعام: 1]، الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض [ سورة سبأ: 1]، وكرر زيادة على ثلاثين مرة فبأي آلاء ربكما تكذبان [ سورة الرحمن: 16] ولم أتوهم أن مسلما يتوهم أن الله لا يتكلم بشيء مرتين.

قال الحاكم: "سمعت أبا بكر محمد بن إسحاق - يعني الصبغي - يقول: لما وقع من أمرنا ما وقع ووجد بعض المخالفين - يعني المعتزلة - الفرصة في تقرير مذهبهم بحضرتنا، قال أبو علي الثقفي للإمام: ما الذي أنكرت من مذاهبنا أيها الإمام حتى نرجع عنه؟ قال: ميلكم إلى مذهب الكلابية، فقد كان [ ص: 81 ] أحمد بن حنبل من أشد الناس على عبد الله بن سعيد وعلى أصحابه مثل الحارث المحاسبي وغيره، حتى طال الخطاب بينه وبين أبي علي في هذا الباب، فقلت: قد جمعت أنا أصول مذاهبنا في طبق فأخرجت إليه الطبق فقلت: تأمل ما جمعته بخطي، وبينته في هذه المسائل، فإن كان فيها شيء تكرهه فبين لنا وجهه، فذكر أنه تأمله ولم ينكر منه شيئا، وذكر لشيخه الخط وفيه: إن الله بجميع صفات ذاته واحد، لم يزل، ولا يزال، وما أضيف إلى الله من صفات فعله مما هو غير بائن عن الله فغير مخلوق، وكل شيء أضيف إلى الله بائن عنه دونه مخلوق".

وذكر أن أبا العباس القلانسي وغيره وافقوا من خالف أبا بكر، وأنه كتب إلى جماعة من العلماء تلك السمائل، وأنهم كانوا يرفعون من خالف أبا بكر إلى السلطان، وأن أمير نيسابور أمر أن يمتثل أمر أبي بكر فيهم من النفي والضرب والحبس، وأن عبد الله بن حماد قال: طوبى لهم إن كان ما يقال عنهم مكذوبا عليهم، وأن عبد الله بن حماد [ ص: 82 ] من غد ذلك اليوم قال: رأيت البارحة في المنام كأن أحمد بن السري الزاهد المروزي لكمني برجله ثم قال: كأنك في شك من أمور هؤلاء الكلابية، قال: ثم نظر إلى محمد بن إسحاق فقال: هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولو الألباب [ سورة إبراهيم: 52] وهذه القصة مبسوطة في موضع آخر، وأكثر أهل العلم والدين كانوا مع ابن خزيمة على الكلابية.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث