الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فصل وأما الصلاة " الزحافة " وقولهم : من لم يواظب عليها فليس من أهل السنة : ومرادهم الركعتان بعد الوتر جالسا فقد أجمع المسلمون على أن هذه ليست واجبة وإن تركها طول عمره وإن لم يفعلها ولا مرة واحدة في عمره لا يكون بذلك من أهل البدع ولا ممن يستحق الذم والعقاب ولا يهجر ولا يوسم بميسم مذموم أصلا ; بل لو ترك الرجل ما هو أثبت منها كتطويل قيام الليل كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يطوله وكقيام إحدى عشرة ركعة . كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك ونحو ذلك . لم يكن بذلك خارجا عن السنة ولا مبتدعا ولا مستحقا للذم مع اتفاق المسلمين على أن قيام الليل إحدى عشرة ركعة طويلة . كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل أفضل من أن يدع ذلك ويصلي بعد الوتر ركعتين وهو جالس .

فإن الذي ثبت في صحيح مسلم عن عائشة { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة وهو جالس ثم صار يصلي تسعا يجلس عقيب الثامنة والتاسعة ولا يسلم إلا عقيب [ ص: 96 ] التاسعة ثم يصلي بعدها ركعتين وهو جالس ثم صار يوتر بسبع وبخمس فإذا أوتر بخمس لم يجلس إلا عقيب الخامسة ثم يصلي بعدها ركعتين وهو جالس } . وإذا أوتر بسبع : فقد روي أنه لم يكن يجلس إلا عقيب السابعة وروي : أنه كان يجلس عقيب السادسة والسابعة ثم يصلي ركعتين بعد الوتر وهو جالس . وهذا الحديث الصحيح دليل على أنه لم يكن يداوم عليها فكيف يقال : إن من لم يداوم عليها فليس من أهل السنة .

والعلماء متنازعون فيها : هل تشرع أم لا ؟ فقال كثير من العلماء : إنها لا تشرع بحال لقوله صلى الله عليه وسلم { اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا } " . ومن هؤلاء من تأول الركعتين اللتين روي أنه كان يصليهما بعد الوتر على ركعتي الفجر لكن الأحاديث صحيحة صريحة بأنه كان يصلي بعد الوتر ركعتين وهو جالس غير ركعتي الفجر . وروي في بعض الألفاظ : أنه كان يصلي سجدتين بعد الوتر فظن بعض الشيوخ أن المراد سجدتان مجردتان فكانوا يسجدون بعد الوتر سجدتين مجردتين وهذه بدعة لم يستحبها أحد من علماء المسلمين بل ولا فعلها أحد من السلف . وإنما غرهم لفظ السجدتين والمراد بالسجدتين الركعتان كما قال { ابن عمر : حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجدتين قبل الظهر وسجدتين بعدها وسجدتين بعد المغرب وسجدتين بعد العشاء [ ص: 97 ] وسجدتين قبل الفجر } " : أي ركعتين .

ولعل بعض الناس يقول : هاتان الركعتان اللتان كان النبي صلى الله عليه وسلم يصليهما بعد الوتر جالسا نسبتها إلى وتر الليل : نسبة ركعتي المغرب إلى وتر النهار ; فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { المغرب وتر النهار . فأوتروا صلاة الليل } " رواه أحمد في المسند .

فإذا كانت المغرب وتر النهار فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بعد المغرب ركعتين ولم يخرج المغرب بذلك عن أن يكون وترا لأن تلك الركعتين هما تكميل الفرض وجبر لما يحصل منه من سهو ونقص كما جاءت السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { إن العبد لينصرف من صلاته ولم يكتب له منها إلا نصفها إلا ثلثها إلا ربعها إلا خمسها حتى قال إلا عشرها } " فشرعت السنن جبرا لنقص الفرائض . فالركعتان بعد المغرب لما كانتا جبرا للفرض لم يخرجها عن كونها وترا كما لو سجد سجدتي السهو فكذلك وتر الليل جبره النبي صلى الله عليه وسلم بركعتين بعده . ولهذا كان يجبره إذا أوتر بتسع أو سبع أو خمس لنقص عدده عن إحدى عشرة . فهنا نقص العدد نقص ظاهر .

وإن كان يصليهما إذا أوتر بإحدى عشرة كان هناك جبرا لصفة [ ص: 98 ] الصلاة وإن كان يصليهما جالسا ; لأن وتر الليل دون وتر النهار فينقص عنه في الصفة وهي مرتبة بين سجدتي السهو وبين الركعتين الكاملتين فيكون الجبر على ثلاث درجات جبر للسهو سجدتان لكن ذاك نقص في قدر الصلاة ظاهر فهو واجب متصل بالصلاة . وأما الركعتان المستقلتان فهما جبر لمعناها الباطل فلهذا كانت صلاته تامة . كما في السنن : { إن أول ما يحاسب عليه العبد من عمله الصلاة فإن أكملها وإلا قيل : انظروا هل له من تطوع } " ثم يصنع بسائر أعماله كذلك والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث