الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

فصل في الركعتين قبل المغرب 283 - مسألة : قال أبو محمد : منع قوم من التطوع بعد غروب الشمس ، وقبل صلاة المغرب ، منهم مالك وأبو حنيفة ، وما نعلم لهم حجة إلا أن أحمد بن محمد بن عبد الله الطلمنكي قال ثنا محمد بن أحمد بن مفرج ثنا الصموت ثنا البزار ثنا عبد الواحد بن غياث ثنا حيان بن عبيد الله عن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم { بين كل أذانين صلاة إلا المغرب } .

[ ص: 22 ] قال أبو محمد : هذه اللفظة انفرد بها حيان بن عبيد الله - وهو مجهول - والصحيح هو ما رواه الجريري عن عبد الله بن بريدة ، وقد ذكرناه آنفا .

وذكروا عن إبراهيم النخعي : أن أبا بكر وعمر وعثمان لم يكونوا يصلونها وهذا لا شيء ; أول ذلك أنه منقطع ; لأن إبراهيم لم يدرك أحدا ممن ذكرناه ، ولا ولد إلا بعد قتل عثمان بسنين ، ثم لو صح لما كانت فيه حجة ; لأنه ليس فيه أنهم رضي الله عنهم نهوا عنهما ، ولا أنهم كرهوهما ، ونحن لا نخالفهم في أن ترك جميع التطوع مباح ، ما لم يتركه المرء رغبة عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا هو الهالك ، ثم لو صح نهيهم عنهما - ومعاذ الله أن يصح - لما كانت في أحد منهم حجة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا على من صلاهما من الصحابة رضي الله عنهم ، وقد خالفوا أبا بكر وعمر وجماعة من الصحابة في المسح على العمامة ، ومعهم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا عجب أعجب من إقدامهم على مخالفة الصحابة إذا اشتهوا وتعظيمهم مخالفتهما إذا اشتهوا وهذا تلاعب بالدين لا خفاء به نعني هؤلاء المقلدين المتأخرين .

وذكروا عن ابن عمر أنه قال : ما رأيت أحدا يصليهما ، وهذا لا شيء أول ذلك أنه لا يصح ; لأنه عن أبي شعيب أو شعيب ، ولا ندري من هو ؟ وأيضا فليس في هذا لو صح نهي عنهما ، ونحن لا ننكر ترك التطوع ما لم ينه عنه بغير حق ثم لو صح عنه النهي عنهما ; وهو لا يصح أبدا ; بل قد روي عنه جواز صلاتهما ; لما كان فيه حجة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا على سائر الصحابة النادبين إليهما ; ومن العجائب أنهم لا يرون حجة قول ابن عمر { صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلف أبي بكر وعمر وعثمان فلم يقنت أحد منهم } إذ لم يوافق تقليدهم ، وقد صح هذا عنه ثم يجعلون ما لم يصح عنه ، حجة إذا وافق أهواءهم وهذا عجب جدا .

قال علي : والحجة فيها هو ما حدثناه عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا إبراهيم بن أحمد ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا عبد الله بن يزيد هو المقري - ثنا سعيد بن أبي أيوب ثنا يزيد بن أبي حبيب سمعت مرثد بن عبد الله اليزني هو أبو الخير قال : { أتيت عقبة بن عامر الجهني فقلت : ألا أعجبك من أبي تميم ; يركع ركعتين [ ص: 23 ] قبل صلاة المغرب فقال عقبة إنا كنا نفعله على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألت فما يمنعك الآن ؟ قال : الشغل } .

وبه إلى البخاري : ثنا محمد بن بشار ثنا محمد بن جعفر عن غندر ثنا شعبة قال : سمعت عمرو بن عامر الأنصاري عن أنس بن مالك قال { كان المؤذن إذا أذن قام ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يبتدرون السواري حتى يخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهم كذلك يصلون الركعتين قبل المغرب } .

حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا أبو كريب وأبو بكر بن أبي شيبة ، كلاهما عن ابن فضيل عن المختار بن فلفل عن أنس بن مالك قال { كنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نصلي ركعتين بعد غروب الشمس ، فسألت : أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليهما ؟ فقال : كان يرانا نصليهما فلم يأمرنا ولم ينهنا } .

قال علي : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقر إلا على الحق الحسن ، ولا يرى مكروها إلا كرهه ، ولا خطأ إلا نهى عنه .

قال الله تعالى { لتبين للناس ما نزل إليهم } .

قال علي : وقال بهذا جمهور الناس ، وروينا عن عبد الوارث بن سعيد عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك قال " كنا بالمدينة فإذا أذن المؤذن لصلاة المغرب ابتدروا السواري فركعوا ركعتين حتى إن الرجل الغريب ليدخل المسجد فيحسب أن الصلاة قد صليت لكثرة من يصليهما " فهذا عموم للصحابة رضي الله عنهم .

وروينا عن عبد الرحمن بن مهدي وعبد الرزاق ; كلاهما عن سفيان الثوري عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش أنه رأى عبد الرحمن بن عوف وأبي بن كعب يصليان الركعتين قبل صلاة المغرب .

وقال حماد بن زيد عن عاصم عن زر عن عبد الرحمن وأبي مثل ذلك ، وزاد : لا يدعانهما .

وعن معمر عن الزهري عن أنس : أنه كان يصلي ركعتين قبل صلاة المغرب .

وعن عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة عن يزيد بن خمير عن خالد بن معدان [ ص: 24 ] عن رغبان مولى حبيب بن مسلمة : رأيت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يهبون إلى الركعتين قبل صلاة المغرب كما يهبون إلى الفريضة .

وروينا عن وكيع عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب : ما رأيت فقيها يصلي الركعتين قبل المغرب إلا سعد بن مالك ، يعني سعد بن أبي وقاص .

وروينا من طريق حجاج بن المنهال عن حماد بن سلمة عن داود الوراق عن جعفر بن أبي وحشية : أن جابر بن عبد الله كان يصلي قبل المغرب ركعتين .

وعن عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة عن سليمان بن عبد الرحمن عن راشد بن يسار قال : أشهد على خمسة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحاب الشجرة أنهم كانوا يصلون ركعتين قبل المغرب .

وعن محمد بن جعفر عن شعبة عن الحكم بن عتيبة : أنه صلى مع عبد الرحمن بن أبي ليلى فكان يصلي الركعتين قبل المغرب .

وعن وكيع عن يزيد بن إبراهيم : سمعت الحسن البصري يسأل عن الركعتين قبل المغرب ؟ فقال : حسنتين جميلتين ; لمن أراد بهما وجه الله تعالى ، وبه يقول الشافعي وأصحابنا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث