الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة لو أشرع جناحا على طريق نافذة فصالحه السلطان أو رجل على ذلك

مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " ولو أشرع جناحا على طريق نافذة فصالحه السلطان أو رجل على ذلك لم يجز ، ونظر فإن كان لا يضر ترك ، وإن ضر قطع " .

قال الماوردي : صورة هذه المسألة في رجل أشرع من داره جناحا أو ساباطا على طريق فلا يخلو حال الطريق من أحد أمرين :

إما أن تكون نافذة أو غير نافذة .

فإن كانت نافذة فلا يخلو حال الجناح من أن يكون مضرا بالمارة أو غير مضر .

فإن كان الجناح الخارج غير مضر بالمارة والمجتازين ترك على حاله ولم يكن لأحد من المسلمين أن يعترض عليه فيه ، لما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه مر بدار العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه فقطر عليه من ميزابه ماء فأمر بقلعه ، فخرج إليه العباس رضي الله عنه وقال : قلعت ميزابا نصبه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ، فقال عمر : والله لا يعاد إلا على ظهري ، فركب العباس ظهره وأعاد الميزاب في موضعه .

ولأنه لم يزل الناس قديما يفعلونه ورسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعده من خلفائه يشاهدونه فلا ينكرونه ، فدل على أنه شرع مستقر وإجماع منعقد .

ولأنه لما جاز للناس الارتفاق بالطرق والمقاعد منها جاز لهم الارتفاق بهوائها .

[ ص: 376 ] فإن قيل : أليس الإنسان ممنوع من وضع سارية في الطريق وبناء دكة ، وإن كان ذلك مرفقا والعمل به جاريا فكذلك الجناح .

قيل : السارية والدكة مضر بالناس لما فيه من تضايق الطريق عليهم .

ولأنهم ربما ازدحموا فأضر بهم أو سقط عليه ضرير لا يبصر فتأذى ، وليس كذلك الجناح في الهواء ، فأما إن كان الجناح مضرا بالمارة والمجتازين قلع ولم يقر ، وأمر الإمام بهدمه وإن لم يختصم الناس إليه فيه .

وقال أبو حنيفة : إن خوصم فيه إلى الإمام قلعه ، وإن لم يخاصم تركه ، لأن الإمام حاكم وليس بخصم ، والحاكم لا يحكم إلا لطالب ، وهذا الذي قاله خطأ لأمرين :

أحدهما : أن الإمام مندوب لإزالة المنكر والنيابة عن كافة المسلمين في أبواب المصالح فوجب أن ينفرد بإزالة المنكر .

والثاني : أن ما يجوز إقراره لا يفتقر إلى الرضا به في الترك ، وكذا ما لا يجوز إقراره لا يفتقر إلى إنكاره في القلع ، وليس هذا من طريق الحكم فلا يحكم إلا لخصم ؛ لأن الخصم فيه لا يتعين ، فإنما كافة الناس فيه شرع واحد .

فإذا وجب قلعه فبذل صاحبه مالا صلحا على تركه لم يجز لأمرين :

أحدهما : أنه صلح على إقرار منكر .

والثاني : أنه صلح على الهوى .

فأما حد ما يضر مما لا يضر فمعتبر بالعرف والعادة ومختلف باختلاف البلاد .

وقال أبو عبيد بن حربويه من أصحابنا : حد الضرر أن لا يمكن الفارس أن يجتاز تحته برمح قائم ، وحكي نحوه عن شريح .

وهذا التحديد ليس بصحيح لأن الرماح مختلفة في الطول والقصر .

ولأن هذا يؤدي إلى أن لا يخرج أحد جناحا ، لأن الرمح قد يعلو على المنازل في أكثر البلاد .

ولأنه لا مضرة على صاحب الرمح في الاجتياز برمحه مائلا .

وإذا كان كذلك وجب أن يعتبر ذلك بحسب البلاد ، فإن كان البلد قد تجتاز في طرقه الجمال التي عليها الكبائس والعماريات وذلك أعلى ما يجتاز في الطرقات فحد الإضرار أن لا يمكن اجتياز الكبائس والعماريات تحته ، وإن أمكن اجتيازها فليس بمضر .

[ ص: 377 ] فإن كان البلد مما لم تجر عادة الكبائس والعماريات أن تجتاز به وجرت عادة الجمال المحملة أن تجتاز فيه فحد الإضرار فيها أن لا يمكن اجتياز الجمال المحملة تحته ، وإن أمكن فليس بمضر .

وإن لم تجر عادة البلد باجتياز الجمال المحملة فيه وجرت عادة الفرسان بالاجتياز فيه فحد الإضرار فيه أن لا يمكن اجتياز الفارس تحته ، فإن أمكن فليس بمضر .

وإن لم تجر عادة البلد باجتياز الفرسان فيه فحد الإضرار فيه أن لا يمكن اجتياز الرجل التام إذا كان على رأسه حمولة مستعلية ، فإذا ثبت ما وصفنا فحد الإضرار معتبر بما ذكرنا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث