الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة إعادة من صلى إذا وجد جماعة تصلي تلك الصلاة

جزء التالي صفحة
السابق

284 - مسألة : وأما إعادة من صلى إذا وجد جماعة تصلي تلك الصلاة ، فإن ذلك مستحب - مكروه تركه - في كل صلاة ، سواء كان صلى منفردا ; لعذر أو في جماعة ، وليصلها ولو مرات كلما وجد جماعة تصليها ، وقد قال قوم : لا يصليها ثانية أصلا .

وقال أبو حنيفة : لا يصلي ثانية إلا الظهر والعتمة فقط ، سواء كان صلاهما في جماعة أو منفردا ، والأولى هي صلاته ; حاشا صلاة الجمعة ; فإنه إن صلاها في بيته منفردا أجزأته ، ولم يكن عليه أن ينهض إلى الجامع ، فإن خرج إلى المسجد والإمام لم يسلم بعد من صلاة الجمعة ; فحين خروجه لذلك تبطل صلاته التي كان صلى في بيته ، وكانت التي تصلى مع الإمام فرضه .

وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن : لا تبطل صلاته التي صلى في بيته بخروجه إلى الجامع ، لكن بدخوله مع الإمام في صلاة الجمعة تبطل التي صلى في [ ص: 25 ] منزله .

وقال مالك : يعيد من صلى في منزله صلاة فرض مع الجماعة إذا وجدها تصلي تلك الصلاة جميع الصلوات حاشا المغرب فلا يعيدها ، قال : والأمر في أي الصلاتين فرضه إلى الله تعالى ، قال : فإن صلى في جماعة لم يعد في أخرى .

قال أبو محمد : أما من منع من الإعادة جملة فإنه احتج بما رويناه من طريق أبي داود : ثنا أبو كامل يزيد بن زريع ثنا حسين هو المعلم - عن عمرو بن شعيب عن سليمان بن يسار قال : أتيت ابن عمر على البلاط وهم يصلون ، فقلت : ألا تصلي معهم ؟ قال قد صليت ، وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول { لا تصلوا صلاة في يوم مرتين } .

قال علي : وهذا خبر صحيح لا يحل خلافه ، ولا حجة لهم فيه ولم نقل قط ، ومعاذ الله من هذا ; إنه يصلي على نية أنها الصلاة التي صلى ، فيجعل في يوم واحد ظهرين أو عصرين أو صبحين أو مغربين أو عتمتين ; هذا كفر لا يحل القول به ; لأحد لكنه يصلي نافلة كما نص رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك .

وأما قول أبي حنيفة ، فإنه احتج بأن التطوع بعد الصبح وبعد العصر لا يجوز واحتج بالأخبار الواردة في ذلك ، وغلبها على أحاديث الأمر ; وغلبنا نحن أحاديث الأمر ، وسنذكر البرهان على الصحيح من العملين إن شاء الله تعالى ، بعد تمام كلامنا في هذه المسألة وفي التي بعدها إن شاء الله .

وأما قول مالك فإنهم احتجوا في المنع من أن يصلي مع الجماعة التي تصلي المغرب خاصة بأن قالوا : إن المغرب وتر النهار ، فلو صلاها ثانية لشفعها ، فبطل كونها وترا .

قال علي : وهذا خطأ ; لأن إحداهما نافلة والأخرى فريضة ، بإجماع منا ومنهم والنافلة لا تشفع الفريضة ، بإجماع منا ومنهم .

وقالوا : لا تطوع بثلاث ; لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { صلاة الليل والنهار مثنى مثنى } وهذا لا حجة لهم فيه ; لأن الذي وجبت طاعته في إخباره بأن صلاة الليل والنهار مثنى مثنى ، هو الذي أمر من صلى ووجد جماعة تصلي أن يصلي معهم ولم يخص صلاة بعد صلاة ، وهو الذي أمر أن يتنفل في الوتر بواحدة أو بثلاث ، والعجب من [ ص: 26 ] احتجاجهم بهذا الخبر ، ونسوا أنفسهم في الوقت فقالوا : يصلي الظهر والعصر والعتمة مع الجماعة ; فأجازوا له التطوع بأربع ركعات لا يسلم بينها ; وليس ذلك مثنى مثنى ، وهذا تناقض منهم .

والحق في هذا هو أن جميع أوامره صلى الله عليه وسلم حق لا يضرب بعضها ببعض ، بل يؤخذ بجميعها كما هي .

وقالوا : إن وقت صلاة المغرب ضيق ، وهذا خطأ ; لأن الجماعة التي وجدها تصلي ، لا شك في أنها تصلي في وقت تلك الصلاة بلا خلاف ، فما ضاق وقتها بعد ، فبطل كل ما شغبوا به في تخصيص المغرب هم والحنفيون معا ، وبالله تعالى التوفيق .

وأما تخصيص المالكيين بأن يصلي من صلاها منفردا فخطأ ; لأنه لم يأت بتخصيص ذلك قرآن ، ولا سنة ، ولا إجماع ، ولا قول صاحب ، ولا قياس ، ولا رأي صحيح ، وإن كانت الصلاة فضلا لمن صلى منفردا فإنها أفضل لمن يصلي في جماعة ، ولا فرق ، وفضل صلاة الجماعة قائم في كل جماعة يجدها ، ولا فرق .

وأما قولهم : إنه لا يدري أيهما صلاته فخطأ ; لأنهم لا يختلفون في أنه إن لم يصل مع الجماعة التي وجدها تصلي - غير راغب عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم - فلا إثم عليه ، فإذ لا خلاف عندهم في أنه إن لم يصل فلا يلزمه أن يصلي ، ولا بد ; فلا شك في أنها نافلة إن صلاها ; لأن هذه هي صفة النافلة ; فلا خلاف في أنه إن شاء صلاها ، وإن شاء لم يصلها .

وأيضا فإنه لا يخلو إذا صلى مع الجماعة وقد صلى تلك الصلاة قبل من أن يكون نوى صلاته إياها أنه فرضه ، ونوى ذلك أيضا في التي صلى في منزله ، فإن كان فعل هذا ، فقد عصى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وخرق الإجماع ; في أن صلى صلاة واحدة في يوم مرتين ; على أن كل واحدة منهما فرضه الذي أمر به ، أو يكون لم ينو شيئا من ذلك في كلتيهما ; فهذا لم يصل أصلا .

ولا تجزيه واحدة منهن ، وهو عابث عاص ; لله تعالى أو يكون نوى في الأولى أنها فرضه وفي الثانية أنها نافلة أو في الأولى أنها نافلة وفي الثانية أنها فرضه ، فهو كما نوى ، ولا يمكن غير هذا أصلا وقال الأوزاعي : الثانية هي فرضه .

قال علي : والحق في هذا : أنه إن كان ممن له عذر في التخلف عن الجماعة فصلى وحده ، أو صلى في جماعة ، فالأولى فرضه بلا شك ; لأنها هي التي [ ص: 27 ] أدى على أنها فرضه ، ونوى ذلك فيها .

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إنما الأعمال بالنيات وإنما ; لكل امرئ ما نوى } ، وإن كان ممن لا عذر له في التأخر عن الجماعة ; فالأولى إن صلاها وحده باطل : والثانية فرضه ، وعليه أن يصلي ، ولا بد على ما نذكر في وجوب فرض الجماعة إن شاء الله تعالى ، والجمعة وغيرها في كل ذلك سواء .

وأما قول أبي حنيفة وأصحابه فيمن صلى الجمعة في منزله ; لغير عذر فباطل لوجوه : أولها : تفريقه في ذلك بين الجمعة وغيرها بلا برهان .

والثاني : أنه فرق بين الجمعة وغيرها فقد أخطأ في قوله : إنها تجزئه إذا صلاها منفردا ; لغير عذر في منزله .

والثالث : إبطاله تلك الصلاة بعد أن جوزها : إما بخروجه إلى الجامع ، وإما بدخوله مع الإمام ، وكل ذلك آراء فاسدة مدخولة ، وقول في الدين بغير علم .

قال علي : فإذ قد بطلت هذه الأقوال كلها فلنذكر ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك .

حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج : حدثني أبو الربيع الزهراني وأبو كامل الجحدري قالا : ثنا حماد بن زيد عن أبي عمران الجوني عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم { وكيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها ، أو يميتون الصلاة عن وقتها ؟ قلت : فما تأمرني ؟ قال : صل الصلاة لوقتها ، فإن أدركتها فيهم فصل فإنها لك نافلة } .

وبه إلى مسلم : حدثني زهير بن حرب ثنا إسماعيل هو ابن إبراهيم بن علية - عن أيوب السختياني عن أبي العالية البراء قال : أخر ابن زياد الصلاة ، فجاء عبد الله بن الصامت فذكرت له صنيع ابن زياد فقال : سألت أبا ذر كما سألتني فقال { إني سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألتني فضرب فخذي وقال : صل الصلاة لوقتها فإن أدركت الصلاة معهم فصل ولا تقل إني قد صليت فلا أصلي } .

فهذا عموم منه صلى الله عليه وسلم لكل صلاة ، ولمن صلاها في جماعة أو منفردا لا يجوز تخصيص شيء من ذلك بالدعوى بلا دليل ، وبالله تعالى التوفيق .

وأخذ بهذا جماعة من السلف كما روينا عن أبي ذر : أنه أفتى بذلك ; وكما [ ص: 28 ] روينا عن حماد بن سلمة عن حميد عن أنس بن مالك أن أبا موسى الأشعري والنعمان بن مقرن اتعدا موعدا فجاء أحدهما إلى صاحبه وقد صلى ، فصلى الفجر مع صاحبه .

وبه إلى حماد بن سلمة عن ثابت البناني وحميد كلاهما عن أنس بن مالك قال : قدمنا مع أبي موسى الأشعري فصلى بنا الفجر في المربد ، ثم جئنا إلى المسجد الجامع فإذا المغيرة بن شعبة يصلي بالناس ، والرجال والنساء مختلطون ، فصلينا معهم .

فهذا فعل الصحابة في صلاة الفجر بخلاف قول أبي حنيفة ; وبعد أن صلوا جماعة بخلاف قول مالك ، ولا يعرف لهم من الصحابة مخالف يخص صلاة المنفرد دون غيره .

وروينا من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن جابر عن سعد بن عبيد عن صلة بن زفر العبسي : خرجت مع حذيفة فمر بمسجد فصلى معهم الظهر وقد كان صلى ; ثم مر بمسجد فصلى معهم العصر وقد كان صلى ، ثم مر بمسجد فصلى معهم المغرب وشفع بركعة وكان قد صلى ، وعن قتادة قال : يعيد العصر إذا جاء الجماعة .

قال سعيد بن المسيب : صل مع القوم فإن صلاتك معهم تفضل صلاتك وحدك بضعا وعشرين صلاة .

وعن سفيان عن جابر عن الشعبي : لا بأس أن تعاد الصلاة كلها .

وعن ابن جريج عن عطاء : إذا صليت المكتوبة في البيت ثم أدركتها مع الناس فإني أجعل التي صليتها في بيتي نافلة ، وأجعل التي صليت مع الناس المكتوبة ولو لم أدرك إلا ركعة واحدة منها .

قال : وسئل عطاء عن المغرب يصليها الرجل في بيته ثم يجد الناس فيها ؟ قال : أشفع التي صليت في بيتي بركعة ثم أسلم ثم ألحق بالناس ، فأجعل التي هم فيها المكتوبة .

وروينا عن وكيع عن عمرو بن حسان عن وبرة قال : صليت أنا وإبراهيم النخعي وعبد الرحمن بن الأسود المغرب ، ثم جئنا إلى الناس وهم في الصلاة ، فدخلنا معهم فلما سلم الإمام قام إبراهيم فشفع بركعة .

قال أبو محمد : لم يشفع عبد الرحمن ، وكل ذلك مباح ; لأنه تطوع لم يأت نهي عن شيء منه .

[ ص: 29 ] وعن حماد بن سلمة أخبرنا عثمان البتي عن أبي الضحى أن مسروقا صلى المغرب ، ثم رأى قوما يصلون فصلى المغرب معهم في جماعة ، ثم شفع المغرب بركعة .

وعن وكيع عن الربيع بن صبيح قال : تعاد الصلاة إلا الفجر والعصر ; ولكن إذا أذن في المسجد فالفرار أقبح من الصلاة .

قال أبو محمد : فإن ذكروا ما رويناه من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن نافع أن ابن عمر قال : إن كنت قد صليت في أهلك ثم أدركت الصلاة في المسجد مع الإمام فصل معه ; غير صلاة الصبح والمغرب ، فإنهما لا يصليان في يوم مرتين ، فلا حجة لهم في هذا ; لأنهم قد خالفوه فخالفه أبو حنيفة في زيادته العصر فيما لا يعاد ; وخالفه مالك في إعادة صلاة الصبح ، ومن أقر على نفسه بخلاف الحق والحجة ، فقد كفى خصمه مؤنته ، وبالله تعالى التوفيق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث