الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فصل منزلة التفويض

ومن منازل : ( إياك نعبد وإياك نستعين ) منزلة التفويض .

قال صاحب " المنازل " :

وهو ألطف إشارة ، وأوسع معنى من التوكل ، فإن التوكل بعد وقوع السبب ، والتفويض قبل وقوعه وبعده . وهو عين الاستسلام . والتوكل شعبة منه .

يعني أن المفوض يتبرأ من الحول والقوة ، ويفوض الأمر إلى صاحبه ، من غير أن يقيمه مقام نفسه في مصالحه . بخلاف التوكل . فإن الوكالة تقتضي أن يقوم الوكيل مقام الموكل .

فالتفويض : براءة وخروج من الحول والقوة ، وتسليم الأمر كله إلى مالكه .

فيقال : وكذلك التوكل أيضا . وما قدحتم به في التوكل يرد عليكم نظيره في التفويض سواء . فإنك كيف تفوض شيئا لا تملكه البتة إلى مالكه ؟ وهل يصح أن يفوض واحد من آحاد الرعية الملك إلى ملك زمانه ؟

[ ص: 138 ] فالعلة إذن في التفويض أعظم منها في التوكل . بل لو قال القائل : التوكل فوق التفويض وأجل منه وأرفع ، لكان مصيبا . ولهذا كان القرآن مملوءا به أمرا ، وإخبارا عن خاصة الله وأوليائه ، وصفوة المؤمنين ، بأن حالهم التوكل . وأمر الله به رسوله في أربعة مواضع من كتابه ، وسماه المتوكل كما في صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : قرأت في التوراة صفة النبي صلى الله عليه وسلم : محمد رسول الله ، سميته المتوكل ، ليس بفظ ، ولا غليظ ، ولا سخاب بالأسواق .

وأخبر عن رسله بأن حالهم كان التوكل . وبه انتصروا على قومهم . وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب أنهم أهل مقام التوكل .

ولم يجئ التفويض في القرآن إلا فيما حكاه عن مؤمن آل فرعون من قوله : ( وأفوض أمري إلى الله ) . وقد أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يتخذه وكيلا . فقال : ( رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا ) .

وهذا يبطل قول من قال من جهلة القوم : إن توكيل الرب فيه جسارة على الباري ؛ لأن التوكل يقتضي إقامة الوكيل مقام الموكل . وذلك عين الجسارة .

قال : ولولا أن الله أباح ذلك وندب إليه : لما جاز للعبد تعاطيه .

وهذا من أعظم الجهل . فإن اتخاذه وكيلا هو محض العبودية ، وخالص التوحيد ، [ ص: 139 ] إذا قام به صاحبه حقيقة .

ولله در سيد القوم ، وشيخ الطائفة سهل بن عبد الله التستري ؛ إذ يقول : العلم كله باب من التعبد . والتعبد كله باب من الورع . والورع كله باب من الزهد ، والزهد كله باب من التوكل .

فالذي نذهب إليه : أن التوكل أوسع من التفويض ، وأعلى وأرفع .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث